عروض كتب مقالات

شروط النهضة

قراءة في كتاب شروط النهضة

للكاتب الجزائري مالك بن نبي

بقلم: نجوى الجزائري – الجزائر

   إنني لا اكتب هذه المذكرات من اجل أولئك المثقفین، ولكن اكتبها للشعب عندما یستطیع قراءة تاریخیه الصحیح، أي عندما تنقضي تلك الخرافات التي تعرض أحيانا أفلاما كاذبة، والتي سیكون مصیرها في صندوق المهملات مع مخلفات العهد الاستعماري هي كلمة لمالك بن نبي فیلسوف الحضارة و مهندسها، ارتأيت أن أبدا بها ملخصي هذا لكتابه شروط النهضة و فیما یلي تلخیص للكتاب:

كلمة افتتاحیة للمترجم الدكتور عمر كامل مسقاوي ، أورد فیها وصیة مالك بن نبي له تتضمن مسؤولیة كتبه المادیة و المعنویة و لهذا و وفاء لهذه الوصیة أسمى كل ما یصدر عن المؤلف ب(ندوة مالك بن نبي).

مقدمة الطبعة الفرنسیة بقلم الدكتور عبد العزیز الخالدي

عرج الدكتور الخالدي على إعطاء نبذة ولو خاطفة عن بن نبي الإنسان قبل المفكر ، فهو إنسان عایش المأساة و شعر بها و له تجارب خاصة مر بها من قساوة الحیاة و قساوة الاستعمار في بلاده ، لذلك فقد استولت علیه على حد تعبیر الدكتور الرعشة الإنسانية المختلطة بالألم و الجوع و الجهل….وقد دفعته هذه الأوضاع للتأمل في الدواء شكلت عنده مشكلة فنیة جاهدها بالتحلیل الدقیق و الوثیق في أركان التاریخ لیكشف لنا (الدورة الخالدة).

مقدمة الطبعة العربیة بقلم مالك بن نبي

آثر بن نبي في مقدمته هذه أن یوضح سبب الإبهام أو اللبس الذي وقع القراء خاصة فیما یخص دور الفكرة الدینیة كعامل اجتماعي یؤثر في توجیه التاریخ ، كما أعطى كامل الحق للقارئ الذي لم یقتنع بما یقوله المؤرخ فقط في مجال دور الفكرة الدینیة ، و قال انه ینتظر وصفا تحلیلیا للظاهرة ككل ، و هو سلكه بن نبي في دراسة الظاهرة و هذا بمسلك التحلیل النفساني و هو بذلك یكشف التأثير المباشر

للفكرة الدینیة في خصائص الفرد النفسیة

یضیف بن نبي أن الفكرة الدینیة لا تقوم بدورها الاجتماعي إلا بقدر ما تكون متمسكة بقیمتها الغیبیة ، كما أورد أن في هذه الطبعة سوف يجد القارئ فصلا كاملا لتوضیح العلاقة بیم المبدأ الأخلاقي و ذوق الجمال و هذا لأثره الكبیر كعامل یحدد اتجاه الحضارة و رسالتها في التاریخ.

الباب الأول

الحاضر و التاريخ

یقول بن نبي أن مشكلة كل شعب هي في جوهرها مشكلة حضارته ، و علیه أن یرتفع إلى الأحداث الإنسانية و في فهم العوامل التي تبني الحضارات أو تهدمها ، و الجزائر على غرار البلدان الإسلامية الأخرى قد افلت شمسها و مضت في لیلها الطویل تغط في أحلام البطولات الماضیة حتى برز نجم الأمير عبد القادر ، و على خلفیة الرابطة القبلیة ظلت توحد بعض الرجال لكنها لم تكن كافیة لتأهيل شعب بأكمله لیؤدي دور رسالة تاریخیة ، یضیف بن نبي انه و خلال غمرة السبات في الأمة الإسلامية قد انبعث من نادى بصوته فأیقض الجموع النائمة و كان لصوته صدى معلنا نهضة جدیدة و یوم جدید ذاك الصوت كان صوت جمال الدین الأفغاني.

دور السیاسة و الفكرة

كان للكلمة و الفكرة التي ألقاها جمال الدین الأفغاني دور و اثر بالغ في إعادة بعث الحركة في كل ربوع البلاد الإسلامیة ، فظهرت بذلك الفكرة الإصلاحية في الجزائر حوالي سنة 1925 و بذلك رجعت الحاسة الاجتماعیة إلى إليها و عادت إلى الحیاة التي یستأنف فیها الشعب رسالته و یبدأ تاریخه ، و أشار بن نبي إلى احد المناضلین المصلحین و هو الشیخ (صالح مهنة) الذي قام بقومة ضد الخرافیین و الدراویش لكن سرعان ما أبعدته ید الاستعمار عن الساحة ، توالى ظهور الحركات و الأفكار لكنها إجمعت على نقطة واحدة و هي إرادة الحركة و التجدید و الفرار من الزوایا و من الخمارات الحقیرة إلى مواطن اطهر و أكثر فائدة ، و لقد كانت حركة الإصلاح أقربها إلى النفوس و كان أساس منهجهم (إن الله لا یغیر ما بقوم حتى یغیروا ما بأنفسهم) ، یقول بن نبي لكن الجمعیة قد انحرفت عن مسارها و هدفها الإصلاحي -بكل أسف- و ذلك بركونها للتفكیر غیر المنهجي و دخلت في أوحال السیاسة ، كما عاب علیهم (أعضاء جمعية

العلماء المسلمون) ذهابهم إلى المؤتمر الذي دعت إليه فرنسا في باریس من اجل التفاوض حول القضیة الجزائریة ، كان عام 1936 م عام قمة بالنسبة للجزائر بلغ فیه روح الكفاح و الإصلاح الاجتماعي أوجه و أيضا عام هاویة لهذا الإصلاح ، و مع دخول عام 1939 م و سحب الحرب العالمیة استسلمت البلدان الإسلامية من جدید للسبات دون انتهاز الفرصة.

دور الوثنية

یقول بن نبي إذا كانت الوثنیة في نظر الإسلام جاهلیة فان الجهل في حقیقته وثنیة لأنه یغرس أفكارا بل ینصب أوثانا و یضیف انه عندما تغرب الفكرة یبزغ صنم و العكس صحیح ، و بذلك سقطت أصنام الجزائر المتمثلة في الزوایا و الدراویش و هذا بفضل الحركة الإصلاحیة و انتصارها یوم افتتاح المؤتمر الجزائري عام 1936 م ، الانتصار الذي شابته حسب بن نبي شائبة دخول الحركة و بذلك العلماء أوحال السیاسة و معامع الانتخابات و بذلك لطخوا ثیابهم البیضاء و تلك كانت زلتهم النزیهة .

إن الاستعمار لیس من عبث السياسيين و لا من أفعالهم بل هو من النفس ذاتها (ذات الشعب) للتي تقبل ذل الاستعمار لذا علیه أن ینجو بنفسه و أن یتخلص من الروح التي تؤهله لذل المستعمر ، و على الفرد أن یقوم بوظیفته الاجتماعیة و یرفع عنه طابع القابلیة للاستعمار و أن یغیر من نفسه أولا حتى یغیر وضع حاكمیه(إن الله لا یغیر ما بقوم حتى یغیروا ما بأنفسهم) یقول بن نبي انه و بعد سقطة حركة الإصلاح ، أصبح الشعب لا یتكلم إلا عن الحقوق المهضومة و نسى الواجبات و دخل سوق الانتخابات و أصبح قطیع انتخابي یقاد إلى صنادیق الاقتراع.

 

الباب الثاني :المستقبل

من التكدیس إلى البناء

یقول بن نبي العالم الإسلامي استسلم للمرض و كل مصلح راح یصف المرض تبعا لرأیه أو مزاجه أو مهنته و ذلك بعیدا عن أي تحلیل منهجي أو دراسة مرضیة للمجمتع الإسلامي ، فمثلا رأى رجل السیاسة جمال الدین الأفغاني أنها مشكلة سیاسیة بینما رآها رجل الدین محمد عبده إنها مشكلة لا تحل إلا بإصلاح العقیدة و الوعظ و هو حدیث عن أعراض المرض لا حقیقته ، هذه المرحلة ، مرحلة محاولة تشخیص الداء و اقتناء دواء من الصیدلیة الغربیة سماها بن نبي بادرة حضارة ، أو مرحلة إرهاص تهدف إلى تحصیل حضارة بید أن أمراض العالم الإسلامي مختلفة من قطر لأخر لذا دواءه مختلف رغم ذلك لم یشفى تماما ، و هذا لانعدام الفعالیة لان المقیاس في عملیة للحضارة ، یقول بن نبي ، هو أن الحضارة تلد منتوجاتها و لیس العكس ، أيضا لا یمكن أن ننشئ حضارة بشراء كل منتوجات الحضارات الأخرى (روح الحضارة و أفكارها ، ثرواتها الذاتیة و أذواقها لا یمكن أن تبیعنا إياه الحضارات الأخرى مع منتوجاتها

الأخرى لأنها تصبح بلا هدف) هذا من ناحیة الكیف ، أما من ناحیة الكم فمن المستحیل أن نشتري كل الأشیاء من الحضارات الأخرى و إلا أصبحت حضارة شیئیة(تكديس) أعطى بن نبي مثال عن الیابان التي انتقلت من مرحلة العصور الوسطى( ( 1868 إلى 1905 ) )و أطلق علیها اسم بادرة حضارة إلى الحضارة الحدیثة ، لیستنتج بن نبي معادلته الشهیرة :

ناتج حضارى =إنسان + تراب  +وقت

و طرح بن نبي سؤالا جوهریا :إذا كانت الحضارة في مجموعها نتاجا للإنسان و التراب و الوقت ، فلم لا یوجد هذا الناتج تلقائیا حیثما توفرت هذه العناصر الثلاثة ؟؟ توصل بن نبي خلال طرحه لهذا التسائل إلى أن هناك ما یطلق علیه مركب الحضارة اي العامل الذي یؤثر في مزج العناصر الثلاث بعضها ببعض ، هذا المركب هو الفكرة الدینیة التي رافقت تركیب الحضارة دائما .

الدورة الخالدة

یقول مالك بن نبي ، إن علاج أي مشكلة مرتبط بعوامل زمنیة نفسیة ناتجة عن فكرة معینة ، تؤرخ من میلادها عملیات التطور الاجتماعي ، في حدود الدورة التي ندرسها في منطقة محددة بعینها.

و ذلك وفقا للآية (ان الله لا یغیر ما بقوم حتى (Bio-histoire) یقول بن نبي إننا في القرآن بذات نجد النص المبدئي للتاریخ التكویني یغیروا ما بأنفسهم) و یتم ذلك وفق شرطین :

أولهما : هل هذا المبدأ سلیم في تأثيره التاریخي ؟؟ و الثاني :هل یمكن تطبیق هذا المبدأ في حالة الشعوب الإسلامیة الراهنة؟

1- الشرط الأول :مطابقة التاریخ للمبدأ القرآني خلال هذا الشرط درس بن نبي الحضارتین الإسلامیة و المسیحیة في المرحلة الأولى من نشأتهما و قال إن الحضارة لا تنبعث إلا بالعقیدة الدینیة و یجب البحث في الأصل الدیني للحضارات ، هذه الحضارة تظهر في صورة وحي من السماء تقوم على توجیه الناس

نحو معبود غیبي (أي في صورة مشروع اجتماعي بعید الأمد یمتد من أجيال إلى أجيال) و یعطي مثال عن الوحي (أو الروح) الذي نزل بغار حراء على سیدنا محمد علیه الصلاة والسلام ، من هنا بدأت المرحلة الأولى من مراحل الحضارة الإسلامية (من غار حراء إلى حادثة صفین) مرحلة سادتها الروح ، روح المؤمن و هي العامل النفسي الرئیسي ، لهذا توسعت الحضارة الإسلامیة بالمخزون الروحي حتى اذا وهنت الروح بدأت تخلد شیئا فشیئا إلى الأرض ، خلاصة القول أن الحضارة تبدأ بظهور فكرة دینیة ثم یبدأ أفولها

بتغلب جاذبیة الأرض علیها بعد ان تفقد للروح و العقل و تنطلق فیها غرائز الدنیا من عقالها و یعود الإنسان إلى مستوى الحیاة البدائیة ، و المرحلة الخالیة من الروح و العقل سماها بن نبي بمرحلة السياسة.

الحضارة تولد مرتین ، الأولى بمیلاد الفكرة الدینیة و المرحلة الثانیة هي تسجیل هذه الفكرة في الأنفس أي دخولها أحداث التاریخ .

 یتحدث بن نبي بعدها بشئ من التفصیل و التدلیل عن نشأة الحضارة المسیحیة ، مستشهدا بقول المفكر “هرمان دي كیسر لنج” في كتابه البحث التحلیلي لأوروبا) حیث یقول (إن الروح المسیحیة و مبدأها الخلقي هما القاعدتان اللتان شیدت علیهما أوروبا سیادتها و حضارتها.

-2 الشرط الثاني : إمكانية تطبیق المبدأ القرآني الآن !!

إن جوهر الدین مؤثر صالح في كل زمان و مكان ، و یمكن ان یتجدد و یستمر ما لم یخالف الناس شروطه و قوانینه (فلیحذر الذین یخالفون عن أمره ان تصیبهم فتنة او یصیبهم عذاب الیم) ، من خلال هذا الكلام للذي فهمه علماء الإصلاح في الجزائر كانوا حسب بن نبي اقرب إلى الصواب من السیاسیین حین دعوا إلى الإصلاح بمعنى دفع النفس الإنسانیة من جدید إلى حضیرة الإيمان.

العدة الدائمة

یقول بن نبي انه كلما تحرك رجل الفطرة تحركت معه الحضارة ، و ذلك لأنه هو المحرك لعناصرها الأولية الأساسية تراب و وقت .

اثر الفكرة الدینیة في تكوین الحضارة

یقول بن نبي إن المؤرخین اهتموا بتجمیع الوقائع التاریخیة بدل ان یهتموا بالبحث في تفسیر عقلي لها ، غیر أن ابن خلدون هو المؤرخ الأول الذي اكتشف منطق التاریخ في مجرى أحداثه و الذي قام بالبحث عن هذا المنطق و قدم صیاغته فعلا (قانون الدورة التاريخية) إلا انه اخذ مصطلح الدولة بدل الحضارة.

أورد مالك بن نبي أراء و نظریات الفلاسفة و المفكرین حول الحضارة و كیفیة نشأتها ، فهي عند ماركس تكون نتیجة لتلبیة حاجات أساسية للإنسان ، و هناك شبنجلر الذي یفسرها باعتبارها ثمرة لعبقریة خاصة تسم عصرا معینا ، لیصل الى المؤرخ الانجلیزي توینبي الذي یلعب فیه عامل الجغرافیا دور أساسي في بناء الحضارة (حسب مستوى التحدي و ردة الفعل من طرف الشعوب فان الحضارة تكون أمام ثلاث احتمالات أن تقوم بوثبة إلى الأمام أو تتوقف أو یلفها الفناء) غیر أن بن نبي یقول أن كل هذه النظریات لا ترضینا إذا حاولنا تطبیقها في تفسیر واقعة تاریخیة مثل الحضارة الإسلامية .

أن أي حضارة تقع بین حدین اثنین : المیلاد و الأفول ، و بینهما یوجد تواز معین هو طور انتشار الحضارة و توسعها ، و في الحضارة الإسلامیة نحن ندرس تطورها من حیث أساس العلاقة العضویة التي تربط الفكرة (الإسلام ) بسندها (الفرد و هو المسلم) لهذا علینا كما یقول بن نبي – أن ندرس لغة للتحلیل النفسي بغیة تتبع اطراد الحضارة ، یعني ان ندرس طبیعة الإنسان في أول مرحلة تسمى الفطرة (الإنسان الطبیعي أو الفطري) و الفكرة الدینیة سوف تتولى إخضاعه غرائزه إلى عملیة شرطیة (الكبت) ، یصبح الفرد خاضع إلى مقتضیات الروحیة للفكرة الدینیة یمارس حیاته وفق قانون الروح ، هذا هو الطور الأول من أطوار حضارة معینة ، طور تروض فیه الغرائز و تتقید بالأخلاق ، لكن الحضارة الإسلامیة شهدت منعطف أخر هو منعطف العقل ، هذا العقل لا یملك سیطرة الروح على الغرائز و حینها تشرع الغرائز في التحرر على مستوى الفرد ثم بالتدریج على مستوى المجتمع ككل ، حینا یبدأ الطور الثالث للحضارة و هو طور الغریزة و تنتهي بذلك الوظیفة الاجتماعیة للفكرة الدینیة .

العنصر الأول

الإنسان

تختلف المشاكل التي تحیط بالإنسان من بیئة لأخرى ، فبینما مشكلة البلدان الأوروبية مشكلة مؤسسات تجد مشكلة الجزائر مشكلة رجال ، یقول بن نبي ، یضیف انه في الجزائر نجد صنفین من الناس ، رجل المدینة (عاطل عن العمل أو مستخدم في إدارة استعماریة) سماه برجل القلة (رجل النصف فكرة) و نجد رجل الفطرة (ساكن الریف یرضى من الأشياء بالعدم ، هو نقطة ابتداء الحضارة) لذلك فان الفرد یؤثر في مجمعته بفكره و بعمله و ثالثا بماله ، و هو موجه في نواح ثلاث :توجیه الثقافة ، توجیه العمل و توجیه رأس المال.

فكرة التوجیه:

التوجیه كما یقول بن نبي هو تجنب الإسراف في الجهد و الوقت و إمكانية استغلال سواعد الشباب المسلم في ظروف زمنیة و إنتاجیة مناسبة لكل عضو من أعضاء المجتمع.

توجیه الثقافة

یقول بن نبي أن الغرب یعرف كلمة الثقافة بفلسفة الإنسان ، أما في البلاد الاشتراكیة فتراها فلسفة المجتمع ، بینما بن نبي یحاول ربط الثقافة بالحضارة لهذا تصبح الثقافة عنده نظریة في السلوك أكثر منها نظریة في العلم و یعطي مثال عن اختلاف وظیفة الأفراد بینما ینتمون إلى نفس المجتمع أي أن سلوكهم یكون تبعا لبیئتهم و مجتمعهم لا للوظیفة التي یشغلونها ، و یخلص إلى ان الاختلاف أو التماثل في السلوك یكون ناتج عن الثقاقة لا عن العلم ، فالثقافة إذن هي مجموعة من الصفات الخلقیة و القیم الاجتماعیة التي یتلقاها الفرد منذ ولادته و یشكل فیه الفرد طباعه و شخصیته .

یرى بن نبي أن للثقافة عناصر جوهریة ضروریة تتمثل فیما یلي :

-الدستور الخلقي

-الذوق الجمالي

-المنطق العملي

-الصناعة.

 

التوجیه الأخلاقي

یستخدم المجتمع من اجل تكوین حضارته غریزة الحیاة في الجماعة عند الفرد و هو یهذبها و یوظفها بروح خلفیة سامیة و هي منحة من السماء كما یقول بن نبي تأتي مع نزول الأديان مهمتها ربط الأفراد بعضهم ببعض و یشیر إلى الآیة الكریمة (و ألف بین قلوبهم لو أنفقت في أصلها اللاتیني (religion) ما في الأرض جمیعا ما الفت بین قلوبكم و لكن الله ألف بینهم انه عزیز حكیم) و حتى في معنى الدین تعني الربط و الجمع.

التوجیه الجمالي

یقول بن نبي أن الذوق الجمیل الذي ینطبع فیه فكر الفرد یخلق لدى الإنسان نزوع أو میل إلى الإحسان في العمل و بصفة عامة الكریم من العادات ، و أن الإطار الحضاري متصل بذوق الجمال بل انه إطار تتكون فیه أي حضارة و هو یظهر في نفوسنا و شوارعنا و بیوتنا ، فالجمال هو وجه الوطن.

المنطق العملي

یقول بن نبي إننا في حیاتنا الیومیة نرى جانبا من اللافعالیة في أعمالنا و أوقاتنا تذهب في العبث و المحاولات الهازلة ، إن ما ینقص المسلم لیس منطق الفكرة و لكن منطق العمل و الحركة فهو یفكر لیقول لا لیعمل .

الصناعة

یقول بن نبي لا یمكن حصر الصناعة في مفهومها الضیق للكلمة بل الصناعة هي كل الفنون و المهن و القدرات و العلوم الموجودة في المجتمع ، و هي وسیلته للمحافظة على كیانه و استمرار نموه و یجب أن تتكاثف فیه جهود رجل القلة و رجل الفطرة معا لدخول باب الحضارة ، و لا یجب أن نعول على العلم الأكاديمي فحسب و لا حتى على ما تعدنا به السیاسة.

المبدأ الأخلاقي و الذوق الجمالي في بناء الحضارة

یقول بن نبي أن المجتمع مهما تكن درجة تطوره فهو ینتج بذور أخلاقیة و جمالیة توجد في شكل عرف و عادات و تقالید أي بمعنى أوسع ثقافة مجتمع ، و لقدر تطورها تكون اقرب للكمال ، و بهذا فانه وضع معادلة بهذا القیاس مبدأ أخلاقي + ذوق جمالي = اتجاه حضارة.

یقول بن نبي أن كل ثقافة تتضمن محور الجمال و عنصر الحقیقة و كل حضارة تتخذ المحور الذي بلائمها أو الذي تریده أي واحدة تختار عنصر الجمال و الأخرى تختار الحقیقة ، فبینما ورثت الثقافة الغربیة ذوق للجمال من التراث الیوناني الروماني ، و رثت الثقافة الإسلامية الشغف بالحقیقة من الفكر السامي ، و علیه كل ثقافة سیطرة هي في أساسها ثقافة تنمو فیها القیم الجمالیة على حساب القیم الأخلاقية .

توجیه العمل

على الرغم من أن العمل لیس عنصر أساسي كالإنسان و الزمن و التراب إلا انه یتولد من هذه العناصر لا من الخطب الانتخابیة ، یقول بن نبي ، فهو ینظر إليه من الناحیة التربویة لا من الناحیة الكسبیة. ففي مرحلة التكوین الاجتماعي یجب توافر جهود كل أفراد المجتمع ، دون احتقار أي عمل لأي فرد ، فلابد من وجود فنیین و حرفیین في المجتمع لأنه یضع الفرد في وضعه الطبیعي .

توجیه رأس المال

خلال الثورة الصناعیة ، كان تركیز المال و ظهور الطبقة البرولیتاریا العاملة اكبر ما میز العصر و بالأخص مناطق التصنیع ، أما في البلدان الإسلامية فلم یتكون بعد رأس المال ، لهذا لا وجود لمشكل الرأسمالية ، و بالتالي فنحن ندرسه باعتباره آلة اجتماعیة تنهض بالتقدم المادي لا اله سیاسیة في ید فئة رأسمالية .

یخلص بن نبي إلى تحدید معنى رأس المال ، فهو في جوهره المال المحرك یتسع مجاله الاجتماعي بمقتضى حركته و نموه ، و هو مجرد لا ینسب إلى احد ، إذن القضیة لیست في تكدیس الثروة و لكن في تحریك المال و تنشیطه عبر البلدان الإسلامية .

مشكلة المرأة

یعتبر بن نبي أن مشكلة للمرأة لیست خاصة بها فهي تشترك مع الرجل في مشكلة واحدة و هي مشكلة الفرد في المجتمع ككل ، حیث یضیف بن نبي إن إعطاء حقوق المرأة على حساب المجتمع معناه تدهور المجتمع و بالتالي بتدهورها هي أيضا ، و یدعو بن نبي النساء العربیات إلى عقد مؤتمر یحددن فیه مهمة المرأة تكون فیه هي الرئیسة و المسیرة بدون تدخل رأي الرجل ، أورد بن نبي أيضا مثال المرأة الغربیة التي تحاول المرأة العربیة المسلمة تقلیدها في اللباس و حریة العمل و الدراسة ، یقول إن المرأة الغربیة دفعت باهظا ثمن خروجها و تحررها و دفعها للعمل خارجا لكي تأكل مما تجني من عرق جبینها.

مشكلة الزي

إن للباس روح خاصة كما انه من العوامل المادیة التي تقر بالتوازن الأخلاقي في المجتمع ، و تجربة أتاتورك في تركیا لما قام بنزع الطربوش و منعه كان له كان لها اثر كبیر ، كما اللباس یسیر مع أهله في تطور التاریخ عبر الزمان و الدول المتقدمة تغیر لبسها مثل ما حدث في الیابان حیث تم التخلي عن الكیمونو.

الفنون الجمیلة

یقول بن نبي إن للفن أهمیة كبرى لكنه إما أن یكون داع للفضیلة و إما داعیا إلى الرذیلة ، و ذلك حسب الوسیلة التي یختارها و أيضا الرسالة التي یبثها ، و هو یشمل كل نطاق حتى طریقة المشي في الشوارع و طریقة شرب الماء .

العنصر الثاني : التراب

تكمن أهمية التراب من حیث قیمته الاجتماعیة و هي في الأصل من قیمة مالكي هذا التراب و حسب علو شان الأمة التي تحتل هذا التراب ، و للأسف البلدان الإسلامية تعرف انحطاط بسبب تأخر مالكي هذا التراب ، و لیس الاستعمار السبب الوحید في انحطاطها بل تعرف مشاكل أخرى مثل ظاهرة التصحر التي تشهدها الجزائر ، حیث وقفت هذه الأخيرة على حد قول بن نبي موقف الضعیف و الجبان إزاء هذه المأساة ، فقد ترك أرضه و اتجه شمالا تاركا مهنته و تاركا المد الصحراء یتقدم ، و دعا بن نبي كحل لهذه المشكلة إلى غرس الأشجار و الاستثمار في هذا المجال و ذكر أمثلة من كل إنحاء العالم التي قاومت هذه الظاهرة و نجحت في ذلك.

العنصر الثالث : الوقت

یقول بن نبي إن الوقت هو النهر الصامت و أننا ننساه أحيانا و تنسى الحضارات ساعات الغفلة و نشوة الحظ التي لا تعوض ، غیر أن قیمة الوقت تمتزج في ساعات الخطر بغریزة البقاء و هنا تحدث انتفاضات الشعوب ، غیر أننا یقول بن نبي في البلدان الإسلامية لا ندرك قیمته الحقیقة ، فالتربیة وحدها یمكن أن تغرس هذه القیمة في نفوس الشعب المسلم ، یذكر هنا بن نبي التجربة الألمانیة بعد الدمار الشامل الذي سببته الحرب ، حیث فرضت الدولة على الشعب الألماني بأكمله التطوع یومیا ساعتین من الزمن للعمل للصالح العام .

الاستعمار و الشعوب المستعمرة

المعامل الاستعماري (coefficient)

 یقول بن نبي إن الاستعمار یفرض على إفراد مستعمراته عاملا سلبیا أو بالمصطلح الریاضي ، و هذا ما حاول الجنرال بوجو إرساءه في الجزائر من خلال سیاسته الفرنسیة و ذلك بجلب معمرین یتساوون في القیمة مع الشعب الجزائري ، هذا ما أدى إلى إنقاص قیمة الأهالي و تحطیم معنویاتهم و كأنه معامل جبري وضع أمام قیمة كل فرد بقصد تنقیص من قیمته الایجابیة ، و بهذا ینشأ الفرد الجزائري محروم من كل الأساسيات كالدراسة و العمل و العیش الكریم ، و لا یحصل علىها إلا بشق الأنفس و بتدخل السلطات الاستعماریة ، كما یرى بن نبي إن الاستعمار قد رجع بالإنسانية إلى ألف عام ما قبل الحضارة الإسلامية و انه اخذ من الحضارة الرومانیة روحها الاستعماریة ، رغم ذلك یراه بل نبي خیر لأنه أيقض الشعب المسلم للنوم من غفلته و نومه و قال له: قم

!! قول بن نبي إن المعامل الاستعماري یخدع الضعفاء فقط من الشعوب و انه وهم لابد من التخلص منه عاجلا أم آجلا و إن الشعب وحده یملك بیده سبیل نجاته و هو من یملك القیم الجوهریة الثلاث في المعادلة :الإنسان و التراب و الوقت…

معامل القابلیة للاستعمار

هذا المعامل ، یقول بن نبي ، ینبع من الفرد ذاته الذي قبل على نفسه هذه الصبغة ، من خلال قبوله باسم (الأهلي) و للأسف حتى المثقفین منهم قد رضوا بتسمیة الأهالي بل و أوردوها في الصحف ، و كلما شعر الفرد بداء المعامل الاستعماري الخارجي قام یعززه معامل باطني یحط من قیمة و كرامة الشعب ، و أورد بن نبي مثال أو تجربة الیهود في الجزائر الذین تغلبوا على هذا المعامل من خلال اتحادهم ، الجمیع للفرد و الفرد للجمیع ، و في اتحادهم هذا مثل لانتصار الفرد على البیئة و الظروف .

إن الاستعمار درسنا و جیدا من حیث أوضاعنا النفسیة و أدرك مواطن الضعف فینا فسخرنا بعد ذلك لأغراضه ، لذا یجب علینا أن نتخلص مما یستغله فینا.

مشكلة التكیف

یتحدث بن نبي في هذا الجزء عن رد الفعل لدى الشعوب المستعمرة عن فعل الاستعمار ، لقد أصبح المجتمع یعرف ألوانا جدیدة و نزعات متباینة و فقد بذلك توازنه القدیم و بات یبحث عن توازن جدید ، و ظهرت التوجهات المتعددة و الأفكار المختلفة و كل یراها حسب زاویته ، فمنهم من یراها في التمدن أو في معركة اقتصادیة تقلب موازین القوى ، و منهم من یراها في الأعراس الانتخابیة و المظاهرات العمومیة ، و هناك الشباب السلفي الذي یراها مملوءة بذكریات الماضي و في تطهیر اللغة و التطبیق قواعدها ، و بذلك تختلف الأذواق و الآراء و حتى اللباس و یتباعد الأفراد ، نحن نحتاج كما قال بن نبي ، في قضیتنا هذه إلى إيجاد تركیب یزیل كل التناقضات و المفارقات المنتشرة في المجتمع و ذلك بإرساء ثقافة شاملة تستوعب كل أطياف المجتمع و تدعو إلى استقراره و تعطیه توازنه الجدید.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.