تاريخ عروض كتب مختارات مقالات

ودخلت الخيل الأزهر

ودخلت الخيل الأزهر ،، للمؤلف محمد جلال كشك

بقلم: رشا صالح – مصر

الحملة الفرنسية علي مصر كانت بمثابة زلزال هائل تعرض له الشعب المصري على جميع المستويات سواء الإجتماعية أو الدينية أو التاريخية ولذلك تعد نقطة فاصلة في التاريخ العربي والإسلامي ككل وليس لمصر فقط.

قبل الحملة كانت مصر تحت الحكم العثماني اسميا فقط حيث كان واليها على مصر مجرد ألعوبة في أيدي المماليك المفسدين الذين لم يستأصلهم الحكم العثماني إلا من على رأس السلطة التي كانت فعليا في أيديهم وعلى رأسهم المفسدان الكبيران مراد بك وابراهيم بك اللذان اذاقا مع غيرهما من المماليك الشعب المصري الظلم والقهر والعذاب وإذا اعترض الوالي العثماني او قام بفعل مخالف لرغبتهم لا يلبثون أن يعزلوه بثني طرف سجادة قصر الوالي واخباره ..انزل ياباشا …فينزل الباشا رغم أنفه.

والمصريون كانوا بلا حول ولا قوة وكان ملاذهم الوحيد هم الكرام من شيوخ الأزهر المعروفين بالنزاهة ولكن طبيعة المصريين المهادنة لم تجعلهم يثوروا ضد الظلم ثورة رجل واحد ولكن كانت غضبتهم علي نطاق ضيق لبعض المظالم الشخصية والحق ان البلاد كانت تعاني من خلل اجتماعي فليس هناك أشد مفسدة من الظلم والقهر لنفوس العباد.

بداية الحملة ….

من قبيل الثورة الفرنسية ومصر مطمع للفرنسيين علي وجه خاص منذ الحملات الصليبية وبعدها وكان هناك اقتراح عرضه الفيلسوف ليبنتس علي الملك لويس الخامس عشر بالقيام لحملة عسكرية علي مصر لصرف فرنسا عن الصراع مع ألمانيا الذي استمر عقود طويلة ولكن الاقتراح لم ينفذ إلا على يد نابليون الذي غزا العالم شرقا وغربا بدعوى نشر مبادئ الثورة الفرنسية وسفك الدماء تحت شعار الحرية والإخاء والمساواة.

هذه بلاد السلطان …

جاءت الأنباء إلى الأسطول الانجليزي بتحرك الأسطول الفرنسي ولكن لم تعلم الوجهة إلى أين؟ ولكن نلسن توقع أن الوجهة الي مصر فسارع اليها وعرض وضع مصر في الحماية البريطانية لانها ربما تتعرض لحملة فرنسية وما كان من محمد كريم حاكم مدينة الاسكندرية إلا الرفض وأعلن تبعية مصر إلى الخلافة العثمانية بأن هذه بلاد السلطان فاذهبوا عنها ..

ولكن الخلافة العثمانية كانت في طور من أطوار الضعف فلم تحمي مصر من الإعتداء الفرنسي والمماليك منهم من هرب إلى الصعيد وأكثرهم من تعاون مع المحتل وهنا وجد المصري نفسه يقف وحيدا للدفاع عن نفسه وبلده وعرضه ومن هنا نشأت أول بذرة من روح الوطنية المصرية ولابد ان تنشأ الروح الوطنية والقومية من الصدام مع المعتدي وليس من إنشاء مجلس الديوان الذي لم نجد بيان رسمي بأعضائه وشيوخ الازهر المنتسبين له. لم يكونوا يملكون رأيا او قرارا بل كانوا مجرد واجهة وكأن الحكم للشعب وهم ممثلوه كما يزعم بعض المؤرخين الموالين إلي المنظومة الاستعمارية من العرب الذين نتعجب من انبهارهم بنشر التنوير على جثث المصريين في حين أن المؤرخين الفرنسين ينكرون ذلك فمسيو ريبو يقول:

“من الصعب أن تجد أمة تبلغ بها السذاجة مبلغ أن تنتظر الخير من جيش يركب البحار ويستهدف الأخطار ويحتل بلادها لمجرد الدفاع عن مصالحها”.

المقاومة …

قاوم المصريون ببسالة ولكن كانت الغلبة للتسليح الحديث فدخل الفرنسيون من الاسكندرية إلى القاهرة قاتلين كل من اعترضهم بالمقاومة او بالثورة وفي القاهرة لم يصدق المصريون مزاعم بونابرت من حبه واحترامه للمصريين وبتكفله بحرية العبادة للمسلمين ورغبته في تطوير وتنوير البلاد ونشر العلم على أيدي علماء الحملة الفرنسية. تلك الوعود التي راحت هباء وانكشف عنها الأطماع الحقيقية من نهب وسلب من الجنود الفرنسيين وفرض الغرامات والضرائب على المصريين ومصادرة الأموال وظهر التناقض الفرنسي من ادعاء ثورة علمانية لنشر الإخاء إلى افتعال فتنة طائفية في غاية الشراسة حيث تم تقريب ضعاف النفوس من المسيحيين وإلزامهم بتحصيل الضرائب والغرامات وعلى رأسهم المعلم يعقوب وشكر الله وبرتملي الرومي الذين اسرفوا في إلحاق الأذى بالمصريين، وهؤلاء كانوا فصيلا شاذا عن المجتمع المصري ولا يمثلون مسيحيي مصر فالمعلم يعقوب كان خارج عن الكنيسة ولم تعترف بزواجه وبرتملي كان روميا مرتزقا في الجيش العثماني وعاش بمصر ولكن هذه احدى حيل المحتل من الأخذ بمبدأ فرق تسد.

وثار المصريون في ثورتي القاهرة الاولى والثانية ضد ظلم الفرنساوية، الثورة الثانية التي أراد بعض المؤرخين اضفاء صفة طائفية لها رغم ان بيوت المصريين جميعا قصفت بالمدافع وكلهم عانوا مسلمون ومسيحيون من مبدأ اعتصار الليمونة حتى آخر قطرة الذي دعي له كليبر بعد توليه رئاسة الحملة بعد فرار نابليون فاعتصر خيرات البلاد وقوت العباد في القاهرة والدلتا وتولي نهب الصعيد مراد بك.

في النهاية انقضت الحملة الفرنسية بجلائهم عن مصر بعد مكوثهم لأكثر من عامين ولكن ظل تأثير الصدمة يحيق بالمصريين حتى الآن فمن التزم مدرسة التغريب والتمسح بالحضارة الغربية الذين يدعون قدوم المحتل بمشاعل العلم والتنوير وتثبيتها علي جثث وأشلاء المصريين وزعزعت كيانهم ومحو هويتهم، التغريب الذي لم نطل منه سوى التغير الخارجي واذكاء النزعة الإستهلاكية وإضفاء الرتوش الحضارية على واقعنا المتهدم.

أما سبيل التقدم الحقيقي فهو التحديث وبناء علي أساس تاريخي ثقافي مناسب لطبيعة شعبنا ورصيدنا الحضاري وتعقب مصدر الخلل واصلاحه.

كانت بداية الوطنية القومية المصرية بمجابهة العدو

وكانت المقاومة الشعببة من جميع البلاد رمزا للوحدة العربية وممثلها سليمان الحلبي طالب الأزهر الذي اغتال كليبر ثأرا لما نكل بالمصريين.

وكما بدأ الكتاب. باهداء الي روح سليمان الحلبي انتهى بتحية إلى روحه وروح كل الشهداء.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.