تنمية ثقافة مقالات

من يغار يغضب

من يغار بالضرورة يغضب

بقلم الروائي/ خلوصي عويضة

فقط، إن أساء الإنسان إستخدام النار فإنها لا ريب تحرقه، أما متى أحسن فتمنحه النور يطرد العتمة، الدفء يبدد البرد، وطبعا تطهو طعامه، ثمة معتقدات، قيم، أفكار، تنتج نوعا من المشاعر لها طبيعة افتراس لأحاسيس النفس، مع ذلك أعتبرها غير سلبية بل إيجابية، تتراكم رويدا رويدا في الأعماق وتظلّ قابعة هناك، وموقفا تلو آخر يستعر ويصطخب دويّ صمتها ليصبح لها قوة توحش و بطش، تزمجر كريحٍ عاتية تنتظر مترقبة ظرفا ما يدفعها غصبا لتظهر إلى السطح، آنئذ تتنفس العاصفة، صفير الريح يعلو ويعلو، برق الغضب ينبض وميضه بلا انقطاع، يتكسر الرعد فيدفن حطام الأماني المكلومة، نعم، قطرة فوق قطرة ينفلق حجر أو صخر صمت الحلم، عندئذ، تتحول ثورة الظلّ والخفاء إلى ثورة علن.

إن من الناس أناسا غيورين سالت نفس أحدهم ألما وحسرة وأسى وهو يرى ويسمع الرئيس الجزائري ((كأنه غير واعٍ لجلال قدر الجزائر أرضا وشعبا، وغير مقتنع بنديته لنظيره)) يتوسل رضا الدب الروسي، فابتسم السفاح بوتين ساخرا من استعطافه، واعتراني غضب مماثل والرئيس الأثيوبي يتجرأ فيتوعد أم الدنيا بالحرب، بينما رئيسها يكيل له المديح قناطير مقنطرة، ولا زال في في الذاكرة صدى نباح الرئيس الكوري ( لسنا عربا)، وقس هكذا مواقف تدمي أيما قلب امتلأ بحبٍّ لا تحده حدود لأمّة الضاد.

بصراحة، سئمت التصديق وربما الأصح التستر بمقولة أن السياسة فنّ الممكن، التحايل، المكر والخديعة، حتى أنني أثناء هبوب إحدى عواصف الحزن والغضب وقد التصق الهمّ بالصدر مثل قطعة جلد أو قماش أغرقها الماء، تمنيت لو أنني من مسلمي الصين، الفلبين، الروهينغا، الشيشان أو كشمير، أي شئ غير عربي، هربا من الشعور بالهوان، فما عاد في قوس الصبر منزع لاحتمال أي مزيد من زهد زعماء عالمنا بالعزّة والإباء والرفعة، متفاوتون قليلا متقاربين كثيرا هم في هيئة سيرهم على درب العزة والكرامة، واهتزاز وجدانهم بأمجاد عروبتهم.

تجد منهم من يزحف، يحبو، يترنح، يحجل، أو يعرج، فإلى متى ملاطفة قطط وثعالبة الساسة وليس فيهم أسودا، نمورا، فهودا، إنما ذئاب وضباع على الرعية وحملان وديعة مع الرعايا الروم وحتى الأحباش، فيا أيها العربي أفق، أفق فالضرع مثقوب، القلب مثقوب، الرأس مثقوب. صعب أن يحيا أحدنا طويلا في غرفة أو بيت بلا سقف، إما أن يصهره الحر فيذيبه، أو يجمده صقيع البرد، في الحالتين يواجه خطر الموت.

أذكر بأسى يوما كانت عواطفي السياسية الوطنية لها شقاوة الطفولة، رشيقة، مشرقة، شقراء كسنابل القمح،ثم شاخت فآلت إلى أشباح غاضبة،أجدها عاجزة عن تدفئة الأطراف فكيف أطمع بدفء الفؤاد؟، أجل، الآن بعد طول أناة في محاولة فهم طبيعة الحياة والأحياء،أدرك أن الأحلام الطوباوية اللطيفة، في الأوقات الصعبة بل العصيبة، ليست أمرا صائبا ولا مقبولا على الإطلاق، حين يتعلق الأمر بمصير حاضر أمة ومستقبلها لا بدّ لنا من أحلام حقيقية، قوية ، لها أظافر ومخالب، يعزّزها إيماننا بقيمة ذاتنا كأمّة عربية واحدة، قادرة على فرض احترامها وحضورها بين الأمم.

أقرأ أيضا:

تأمّلات في الحبّ والصداقة

من يغار بالضرورة يغضب

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

One Reply to “من يغار يغضب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.