فكر مختارات مقالات

أورهان باموق.. دروس كورونا في الخوف والتضامن

بقلم: علي حسين – العراق

اعترف للمرة الاولى بانه يجد صعوبة في اكمال عمله الروائي الجديد: “مضت حتى الآن أربع سنوات وأنا منصرف إلى كتابة رواية تاريخية تدور أحداثها في عام 1901، خلال الطاعون الأسود الذي أوقع ملايين الضحايا في آسيا، بينما كان العدد أقل في أوروبا”.

لكنه الآن يحاول أن يجيب على اسئلة الصحافة والمعارف والاصدقاء حول علاقة روايته الجديدة بفايروس كورونا الذي اجتاح العالم في الشهور الاخيرة . ينظر من نافذة شقته في حي جيهانغير باسطنبول ، حيث يبدو المشهد اليوم مختلفا وغريبا في آن واحد ، عن المشهد الذي وصفه من قبل . في كتابه ” اسطنبول بانه كان ” اشبه بصورة ملونة على بطاقة بريدية”، ينصت باهتمام الى اصوات سيارات الاسعاف التي تمر من تحت شقته: “كل صوت سيارة إسعاف مختلف” ، الاشخاص تبخروا من الشوارع هكذا قال لمراسل صحيفة الباييس الاسبانية: “لقد غابت عني الوجوه، أرى إسطنبول بدون سفن، بدون طائرات، وبدون مروحيات تحلق.. هذا نادر”.

يكتب وهو في الثامنة والستين من عمره عن الاوبئة المعدية في التاريخ البشري والادبي: “ليست البكتيريات والفيروسات وحدها القاسم المشترك مع الأوبئة الجائحة، ولكن أيضاً أن تكون أجوبتنا الأساسية دوماً هي نفسها”.

اضاف في حديثه لمراسل إلباييس الأسبانية ، وهو يجري معه حواراً عن طريق الفيسبوك : ” لا أشعر بالذعر.. عقلي تحت السيطرة.. أعتقد اعتقادا راسخا أنه يجب أن نخاف، ولكن هذا يجب ألا يجعلنا غير عقلانيين.. يجب ألا ندع الخوف يسيطر علينا، لكننا نحتاج الخوف. هناك أناس لا يهتمون.. أعتقد أن جميع وحدات الحجر الصحي ستعمل إذا كان الناس خائفين.. تعاون الناس ضروري للتعايش مع معايير الحجر الصحي، مهما كانت. والحجر الصحي يعطي مفعوله إذا كان الناس خائفين، إذا كانوا يعتقدون أن قواعد الحجر الصحي وضعها أشخاص عادلون وعقلانيون” . في الحجر ايقن ان على الانسان ان يتعلم احتراف الخوف والشعور بالتضامن مع الآخرين ، يقول ان الاوبئة تثير حفيظة الناس وتقوي نزعاتهم القومية ، يجد في ما يجري بانه احدى التحديات الكبرى التي تواجه الكُتاب . يصف الحجر المنزلي بالقفص الجميل : ” كل المساحة التي أسكنها هي فضائي الخاص، فهي تحدّني وأنا أحدّها.. إنه أمر مدهش، إنها حياة جديدة.. إذا سألتني إذا كانت تشبه السجن، فسأقول: لا.. إنه قفص جميل.. أنا في منزل به 20 ألف كتاب، يمكنني مشاهدة الأفلام وقراءتها طوال الوقت. بهذا المعنى، أنا محظوظ ” .. شعر في الايام الاولى من الحجر ان اعراض المرض باتت تظهر عليه ، لم يخبر الآخرين بحالته ، قال مع نفسه : ربما استطاع الفيروس ان يتغلغل في جسده . ايام من الخوف والذعر جعلته يفكر ان هذا العالم بحاجة الى حكومة عالمية تكون قادرة على السيطرة على ما يجري. يرى رأى أصدقاؤه انه يملك عقله غريباً منذ الطفولة، فمنح هذه الغرابة لابطال رواياته.

في الرابعة والخمسين حين وقف امام ملك السويد ليتسلم جائزة نوبل للاداب، بدى اروهان باموق آنذاك خجولاً وحساساً، قال انه التجأ للكتابة ليتخفّف من ثقل وحدته. فيما صفته الأكاديمية السويدية بانه استطاع ان يكتشف رموزاً جديدة لصراع الحضارات وتقاطعها خلال بحثه عن روح مدينته الشجيّة. يستعيد في روايته التي يواصل الكتابة فيها “ليالي الطاعون “الاجواء التي عاشها العالم في زمن الاوبئة وكيف تتحول المدن رهينة بأيدي المجهول.

يتساءل عن الصدمة التي احدثها الفايروس في علاقات البشر: “كلما راينا الاصابات تتكاثر وتنتشر على خرائط البلدان، ندرك أن ليس هناك ملجأ. لم نعد نحتاج إلى الخيال من اجل ان نتوقع الأسوأ. فنحن في لحظة الحاضر نبصر بعيوننا كيف تنقل القوافل السوداء للشاحنات، الجثث من مدن إيطالية صغيرة إلى محرقة كبيرة اقيمت لها، كما لو أننا نشارك في موكبنا الجنائزي. ومع ذلك، فإن ابرغم غرابته يكشف كم أن هشاشة وجودنا والإنسانية التي نتشاركها، قريبتان واحدتهما من الأخرى. هذا اكتشاف. الخوف، كما فكرة الموت، يجعلاننا ننعزل، لكن الوعي بأننا جميعاً نقاسي القلق نفسه، ينتشلنا من العزلة. وأن نعلم أن الجميع، في معظم بقاع العالم ، يشاركوننا مخاوفنا ، وهو يذكرنا باستمرار أننا لسنا وحدنا ويولّد تضامناً جديداً. ربما ننتصر فيه على الخوف من الموت ، ونكتشف قيمة التفاهم المتبادل بين البشر”.

من زاوية اخرى يرى باموق ان الرعب الذي يعيشه العالم من جراء فيروس كورونا، تحول من رعب شخصي الى موضوع عام يشغل البشرية كلها. يقول ان التفكير في كتابة روائية عن الاوبئة رافقه اكثر من ثلاثين عاما، فالخوف من الموت كان يتصدر اهتماماته، لكنه يؤمن أن ” الذين يخافون، يعيشون أعواماً أطول” .. بالنسبة لباموق ان الاستجابة البشرية للوباء كانت دائما تثير موجة من الشائعات ونشر معلومات كاذبة .

ويشير باموق إلى أن الشائعات الأكثر شيوعًا خلال انتشار فايروس كورونا تصوير الطاعون دائمًا على أنه شيء جاء من الخارج، حيث انتشر فى مكان ولم تتخذ إجراءات كافية لاحتوائه ما أدى لانتشاره: “أن المرض يبدو كغريب يتم جلبه بقصد خبيث”، لذا فالشائعات حول الهوية المفترضة للوباء هى دائمًا الأكثر انتشارًا وشعبية، ويتذكر انه قبل اشهر وفي اشتداد موجة الذعر والخوف التي انتشرت في تركيا، كان هناك من يؤكد ان وباء كورونا كان ردًا اقتصاديًا مِن الصين على الولايات المتحدة وبقية العالَم: “المَرض أجنبي، وافدٌ علينا مِن الخارِج. كانت الشائعات حول الكيان المفترض أنَّه الحامل الأصلي للوباء هي الأشد شعبيةً وسريانًا على الدوام”.

ولد اورهان باموق في السابع من حزيران عام 1952، وكانت ولادته في احدى مستشفيات اسطنبول ويتذكر في كتابه “اسطنبول .. الذكريات والمدينة” انه ولد نحيفا “وجدتني امي اضعف مما كان اخي”. في منزل كبير يعيش فيه الاعمام والعمات والجدات سيعيش طفولة مرفهة في حي من احياء اسطنبول الراقية “نيشان طاش”، وسيسحره البيانو الكبير الذي يتوسط المنزل، إلا ان انفصال والده عن والدته جعله يعيش فيه مع خالته، هناك سيجد متعة في تامل اللوحات الزيتية المعلقة على الجدران، وسيواصل شغفه بالرسم حتى انه عندما انتسب إلى كلية العمارة، أراد أن يتركها كي يتفرغ للرسم، لكن والدته ستمنعه لان الرسم في نظرها لن يبني مستقبل ابنها، ثم تحول من العمارة إلى الصحافة حيث تَخرج في المعهد العالي للصحافة من دون أن يمارس هذه المهنة: “قيل لي إنني كنت ارسم في زمن ما، وكنت طفلاً ذا عادات حسنة، وأخرى سيئة. وفي ما بعد، وأنا في الثانية والعشرين من عمري، بدأت، لسبب لا اعرفه، بكتابة الرواية”، واقتنع بعد تجربة طويلة بأن “الكتابة تعطي معنى للحياة، لأنها الحياة”، وآمن بأن كل ما في هذا العالم يستحق أن يدوَّن، إذ يقول:”كم كان مالارميه محقّاً حين قال: إن كل شيء في العالم موجود لكي يوضع في كتاب”.

في الثانية والعشرين من عمره بدأ في كتابة الرواية ، وبعد اربع سنوات من التفرغ ، انجز روايته الاولى ” “الظل والنور” والتي غير عنوانها فيما بعد إلى “جودت بيك واولاده ” وقبل ان يطلع احد على ما كتبه ، حمل الرواية المكتوبة على الآلة الكاتبة الى والده لكي يقرأها وطلب منه ان يخبره ان كان يصلح ان يكون روائبا ، او يعود الى الجامعة لاكمال دراسة للهندسة المعمارية :” كان رأيه هاماً بالنسبة لي لأنه ،علي عكس والدتي، لم يعارض رغبتي في أن أصبح كاتبا”

بعد اكثر من اسبوعين من الانتظار، يفاجأ ذات يوم بوالده يحتضنه وهو سعيد، لقد اعجبته الرواية، وتوقع لأبنه أن يصبح واحدا من اهم كتاب تركيا: “سوف تصبح باشا في يوم من الأيام”، إلا ان الرواية لم تجد ناشرا لها، على الرغم من حصولها على جائزة اورهان كمال، وحين اخبره والده ان بامكانه ان يطبعها له على حسابه الخاص رفض، وقرر ان ينشر اعلانا في احدى الصحف جاء فيه: “رواية فائزة بجائزة ادبية معروضة للبيع”.

عام 1982 تجد جودت بيك ناشرا يتولى طباعتها، كان اورهان في الثلاثين من عمره، وسرعان ما سلطت الرواية الأضواء على الكاتب الذي قدم للقاريء ملحمة روائية تناولت فصول من تاريخ تركيا، تبدأ من عام 1905 وحتى سبعينيات القرن الماضي، حيث يناقش فيها صعود العسكر، ومحاولة الإسلاميين الخروج من ارث كمال اتاتورك، والعلاقة الملتبسة بين تركيا واوروبا: “كنت مهتما بشراء المجلدات التاريخية السميكة التي تُعنى بالتنقيب في جذور تخلف تركيا وفقرها وأزماتها السياسية والاجتماعية واشتريت أيضاً جميع كتب التاريخ والمذكرات والروايات التي تبرهن على وجود سر أو مؤامرة دنيئة أو لعبة مدبرة من القوى العالمية وراء الكثير من الانقلابات العسكرية في التاريخ القريب، والحركات السياسية، والهزائم العسكرية في السنوات الأخيرة من الامبراطورية العثمانية، والاغتيالات السياسية التي لها أول وليس لها آخر”. وعلى الرغم من الطابع التاريخي الذي غلب على بناء الرواية، ألا ان باموق حاول ان يقدم فيها بعضا من سيرة عائلته.

العام 1995 ينشر اورهان باموق روايته الثالثة “القلعة البيضاء”، وكان قد اصدر روايته الثانية “البيت الصامت” عام 1991، وفي القلعة البيضاء سيتناول باموق موضوعه المفضل العلاقات بين البشر في ظل الخطر، فالرواية تتناول حياة شاب ايطالي، كان دائم التنقل عبر العالم من رحلة إلى أخرى بحثا عن المعرفة. وأثناء إحدى رحلاته من البندقية إلى نابولي يقع أسيرا في أيدي قراصنة أتراك، وعندما يخبرهم انه طبيب، يطلبون منه ان يعالج المرضى والمصابين الذين يسقطون اثناء الحرب، وبعد أن استقر بهم المقام في احدى شواطيء تركيا، يقررون بيعه لاستاذ تركي عرف بعشقه للمعرفة والعلم، وبعد سنوات من العيش مع الاستاذ التركي يصبح الاسير صديقا حميما له، بل ان البعض يظن انهم اخوة، فقد جمع بينهما حب المعرفة، ويبدأ الاستاذ بمساعدة الاسير أبحاثا علمية، يقدمها فيما بعد الى السلطان التركي بهدف الحصول على مكانة سياسية وخلال تلك الفترة ينتشر في إسطنبول وباء، فيقرر السلطان الاستعانة بالاستاذ التركي ليقدم حلا لمواجهة الوباء، بعد أن فشل من حوله الفقهاء ورجال الدين الذين كانوا يقولون للسلطان والناس ان الوباء قضاء وقدر وهو غضب من الله على عباده لانهم يمارسون الخطيئة، ويستعين الاستاذ باسيره الايطالي في البحث عن علاج، ويذهبان معا في جولات في المناطق التي انتشر فيها الوباء، وفي النهاية يقدمان الحل للسلطان ويتلخص في عزل المرضى، والطلب من الناس ان لا يخرجوا من بيوتهم وبعد ان تتم هذه العملية تتناقص اعداد الموتى بسبب الحجر الصحي الذي يظهر فاعليته، والدعوة لتجنب التجمعات مما يؤدي في النهاية الى انحسار المرض.

في “القلعة البيضاء” يقدم لنا باموق درسا في التسامح الديني، وأهمية العلم في حياة الناس، فرغم اختلاف دين كل من التركي والإيطالي، إلا أنهما عملا معا كأخوين، من أجل تحقيق هدف نبيل وهو القضاء على الوباء الذي كان لايفرق بين أرواح المصابين. وسيقول لمراسل البايس وهو يسأله عن فكرة الحجر هل كان يتوقع ان العالم بعد مرور ربع قرن على روايته “القلعة البيضاء” سيمارس الحجر الصحي ويمنع التجمعات، فيجيب باموق: “طالما حلمت بالمدينة الفاضلة تشكل حكومة قوية وقادرة على انقاذ البشرية باتخاذ اجراءات تنهي الامراض الوبائية والاجتماعية”.

وسيتذكر احداث روايته “القلعة البيضاء” وهو يكتب روايته الجديدة “ليالي الطاعون”، وكيف ان فيروسات جديدة ستظهر و ستكون هناك طفرات وبائية، وفي مقال ينشره في صحيفة “نيويورك تايمز” في شهر ايار الماضي كتب باموق انه لطالما كانت الاستجابة الأولية لتفشى وباء ما هى الإنكار، وتأخر الحكومات فى التحرك، وتشويه الحقائق والتلاعب بالأرقام لإنكار وجود تفشى المرض، ويشير باموق إلى أن الادب الذي تناول الاوبئة كان يشير في الغالب الى عوامل مثل الإهمال وعدم كفاءة وأنانية من هم فى السلطة تجاه ما يتعرض له الناس: “وسيحدث ذلك مرة أخرى، لذلك يجب علينا تنظيم أنفسنا.. أحيانًا أشعر بالتفاؤل، وأعتقد أن لدى الإنسانية ذكاء لحل هذه المشاكل.. وبشكل ما فإن الناس تموت لأنه لا توجد حكومة عالمية يمكنها التعامل مع هذا الوضع”.

ويعترف باموق انه بشعر بالذنب، لان ما تخيله في روايته القلعة البضاء، حصل على ارض الواقع: “أمام قساوة الموقف، لم أكن أستطيع التجول دون أن ينتابني شعور بالخجل وأنا أردد في نفسي” كنت أكتب ذلك، كنت أكتب ذلك”.. أشعر بالحرج لقول ذلك.. يمكنني فقط أن أخبر شخصًا واحدًا من خلال لغة الأدب، ولكن لا يمكنني إخبار الأشخاص العاديين الذين يموتون، أو الذين يخافون من الموت، بأني توقعت ما جرى”.

يلمح باموق ان تاريخ الأوبئة يكشف لنا عن مقدار ما يقاسيه الضعفاء والفقراء مِن معاناة، وخوفٍ مِن الموت، وجَزعٍ ، وإحساسٍ بالغرابة.

وعن روايته الاخيرة التي يواصل كتابتها في ظل اشتداد الوباء والخوف من المستقبل: “الخوف من الموت هو أول مصادر أفكاري”.

 

 

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.