أدب و تراث تاريخ مختارات مقالات

متحف آية صوفيا

في إطلالة على التاريخ العثماني (11)
متحف آيا صوفيا..

بقلم/ د. أحمد يوسف
آيا صوفيا بالتركية : AYA SOFYA) هيَ معلم تاريخي مشهور في الضفة الأوروبية من مدينة إستانبول، وقد كانت عند نشوئها كاتدرائية أرثوذكسية شرقية سابقًا قبل أن تتحول إلى مسجد على يد السلطان العثماني محمد الفاتح، ومن ثم إلى متحف ديني عام 1935، وتقع بمدينة إستانبول بتركيا. وتعد من أبرز الأمثلة على العمارة البيزنطية والزخرفة العثمانية.
بدأ الإمبراطور جوستنيان في بناء هذه الكنيسة عام 532م، وأستغرق بنائها حوالي خمس سنوات، حيث تمَّ أفتتاحها رسمياً عام 537م.. لم يشأ جوستنيان أن يبني كنيسة على الطراز المألوف في زمانه، بل كان دائما يميل إلى ابتكار جديد. فكلف المهندسين المعماريين «إيسودور الميليسي» ‏ و«أنثيميوس التراليني» ببناء هذا الصرح الديني الضخم وكلاهما من آسيا الصغرى، ويعد ذلك دليلا واضحاًعلى مدى تقدم دارسي البناء في آسيا الصغرى في عهد جوستنيان بحيث لم يعد هناك ما يدعو إلى استدعاء مهندسين من روما لإقامة المباني البيزنطية.
يعتبر مبنى آيا صوفيا صرح فني ومعماري فريد من نوعه، وهو موجود في أستانبول بالقرب من جامع السلطان أحمد.

كان مبنى آيا صوفيا على مدار 916 سنة كتدرائية ولمدة 481 عام مسجداً، ومنذ عام 1935 أصبح متحفاً، وهو من أهم التحف المعمارية في تاريخ الشرق الأوسط. ولقد بنيت كنيسة آيا صوفيا على أنقاض كنيسة أقدم أقامها الأمبراطور قسطنطين العظيم، وأنتهت في عام 360 في عهد الأمبراطور قسطنطينوس الثاني.. وسمي في البداية ميغالي أكليسيا أي (الكنيسة الكبيرة) ثم سمي بعد القرن الخامس هاغيا صوفيا أي (مكان الحكمة المقدسة)، وهذا ماتعنيه تسمية آيا صوفيا. والبناء ذو المخطط الكتدرائي ذو السقف الخشبي كان مبنى كنيسة آيا صوفيا الأول، إلا أنه أحترق في إحدى حركات التمرد، ولم يبقَ منه شيئاً، مما جعل الإمبراطور تيودوروس الثاني يقوم ببنائها ثانيةً ويفتتحه للعبادة عام 415م. ومن المعروف أن مبنى آيا صوفيا الثاني أيضاً كان بناء مخطط كتدرائي وجدران حجرية وسقف خشبي، وقد تم أكتشاف بعض بقايا هذا البناء في الحفريات التي قام بها البروفيسور أ.م.سنايدر عام 1936، حيث عثر على بقايا درج المدخل وأحجار الواجهة والأعمدة وتيجان الأعمدة وقواعد الأعمدة والتزيينات والأفاريز وهي موجودة اليوم في حديقة آيا صوفيا وأسفل المدخل. ولم يكن قدر قلعة آيا صوفيا الثاني بأفضل من سابقه أذ أنه أحترق تماماً أثناء حركة التمرد الذي أشتعلت شرارته الأولى في مضمار آيا صوفيا عام 532 م.
البناء الثالث لآيا صوفيا.. بعد الحريق الثاني الذي قضى على مبنى آيا صوفيا للمرة الثانية قرر الأمبراطور أيوستينيانوس الثاني (527-565)م أن يبني بناء أكبر وأعظم لآيا صوفيا، فكلف أشهر معماريي العصر في ذلك الوقت وهم أيسيدروس الميليتوس وأنتيميوس الترالليسي ببنائه، والصرح القائم في يومنا هذا هو الصرح الذي بني في المرة الثالثة، وقد طالت مدة بنائه منذ 532 إلى 537 م أي خمسة سنوات متتالية من دون الأنتهاء من الزخارف. وأفتتح للعبادة عام 537 م. أن صرح آيا صوفيا الحالي يرى الناظر له بجلاء الخطوط الأساسية لفن العمارة البيزنطية المبكرة وكذلك تقاليد العمارة الرومانية بالأضافة للبصمة الشرقية والفن الشرقي. إن صرح آيا صوفيا يعبر لناظره للوهلة الأولى تزاوج الفن المعماري الروماني بالإسلامي مما يجعله تحفه نادرة من التحف المعمارية التي تتوسط مدينة إستانبول التركية. وكان مبنى كنيسة أيا صوفيا على طراز الباسيليكا المقبب ويبلغ طول هذا المبنى الضخم 100 متر وارتفاع القبة 55 متر؛ أي انها أعلى من قبة معبد البانثيون، ويبلغ قطر القبة 30 متر.
وكانت قبة مسجد آيا صوفيا رائعة الجمال والتطور في ذلك الوقت فقد كانت قبة ضخمة ليس لها مثيل من قبل، حيث تبدو كأنها معلقة في الهواء، وكان ذلك أمراً طبيعياً إلى حد بعيد فقد أصبح لدى المهندس البيزنطي القدرة والخبرة القديمة الواسعة والمعرفة لابتكار ما هو ملفت وجديد.
ويصف لنا المؤرخ بروكوبيوس؛ وهو أحد مؤرخى عصر جستنيان، انه من شدة أعجاب جستنيان بالمبنى لم يطلق عليه اسم أي من القديسين، بل أطلق عليه اسم الحكمة الالهية أو المقدسة «سان صوفيا» ونقل أيضا عن جستنيان إنه قال “يا سليمان الحكيم لقد تفوقت عليك”، ويقصد بذلك أنه تفوق بهذا البناء على النبي سليمان الحكيم، الذي كان يُسخِّر الجن لبناء الأبنية العظيمة.
غير أنه بعد حوالي عشر سنوات فقط من إقامة المبنى تصدع الجزء الشرقي من المبنى نتيجة حدوث هزة ارضية في إستانبول وسقط جزء كبير من القبة الضخمة، فأمر جستنيان بإعادة بنائها مرة أخرى، بحيث أصبحت أكثر أرتفاعاً من السابقة، وقام بتدعيم الأساسات التي ترسو عليها القبة، وهذه هي القبة ما زالت قائمة حتى الآن، والتي استطاعت ان تصمد لكافة الأحداث منذ بنائها.
وقد استمرت الكنيسة في الاستخدام كمركز للدين المسيحي لفترة طويلة حتى دخول الدين الإسلامي عام 1453 م للقسطنطينية.. لم يكن يوجد للمسلمين في المدينة “جامع” ليصلوا فيه “الجمعة” التي تلت الفتح، ولم يُسعف الوقت لتشييد جامع جديد في هذه المدة الزمنية الضئيلة، فأمر السلطان بتحويل “آيا صوفيا” إلى جامع، ثم بعد ذلك قام بشرائها بالمال، وأمر كذلك بتغطية رسومات الموزائيك الموجودة بداخلها، ولم يأمر بإزالتها، حفاظًا على مشاعر المسيحين، وما زالت الرسومات موجودة بداخلها إلى الآن.
اقام لسلطان محمد الفاتح بأداء أول صلاة فيها وهى ركعتين شكرا لله على هذا الفتح العظيم، ثم أضاف لها المآذن الأربعة حولها، والتي تعتبر مآذن إسطوانية.

Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.