مقالات

نحو مشروع تربوي بديل

نحو مشروع تربوي بديل

بقلم: محمد شحيمط – المغرب

تتفق جل الخطابات الفاعلة في المجال السوسيو-تربوي على أن أزمة النظام التربوي ببلادنا راجع إلى خلل وظيفي وتقني بالدرجة الأولى، وكذلك نتيجة لعوامل متعددة متسمة بالتشابك التاريخي متمثلة في العجز الابداعي لدى القائمين على النظام التربوي في تأسيس مرجعية تربوية بديلة تساهم في خلق (مشروع تربوي بديل او متجدد ) يحمل معالم الانسان الذي يسعى الى بناءه عبر انماط التربية والتكوين والتمكين، إلا أن هذا لم يمنع الغيورين على الشأن التربوي من الاستجابة لبعض متطلبات الطلب الاجتماعي للتربية وكذلك تمكين بعض الفئات الاجتماعية من التسلق المراتبي والالتحاق ببعض المكانات الاجتماعية قصد المساهمة في بلورة هذا المشروع، في هذا الصدد يرى السوسيولوجي إدغار موران بأن مواجهة تحدّيات العالم المعاصر بكل ما يتضمنه من تعقيدات وتركيبات لا يمكن إلا بتغيير طريقتنا في التفكير وهذا الأخير لا يتحقق إلا بإعادة النظر في فلسفات التربية ومحاولة استنبات مشروع تربوي يقوم على مبدأ النظر إلى الإنسان كفرد داخل الجماعة والجماعة داخل الفرد وهما داخل الكون والكون داخلهما، حيث ذهب يقول :”يجب على كل تربية وتعليم يبغيان امتلاك صلاحيتهما مستقبلا،التأسيس لفعل بديل ينبني على ضرورة الاعتراف بالطابع المركب للإنسان”.

إن التفكير في مشروع تربوي بديل كمطلب أساسي للتوجه نحو حداثة تربوية لما يتميز به من خصوصية لارتباطه بضمان تكوين وتمكين الأطفال والأفراد ليكونوا قادرين على التكيف في مجتمعاتهم والتفاعل مع مستجدات الحاضر والتطلع لآفاق المستقبل، بحيث الإقدام على تأثيث الارضية لإستنبات هذا المشروع يتطلب العديد من الشروط الواجب توفرها والحرص على أن تكون ضمن القاعدة الأساسية لأي عملية إصلاح أو إبداع مرغوب فيها فالمشروع التربوي البديل هو على قدر من الحساسية لامجال فيه للتأخر ولا التعثر لأنه يعتبر قضية تمس المجتمع برمته بكل فئاته، لذلك وجب أن يكون هذا المشروع التربوي البديل مرتبطا بالواقع المحلي المعيشي بكل تجلياته، غير مفروضة من جهات خارجية مع ضرورة دعمها لرؤية تخطيطية محكمة تؤسس لاستراتيجية تعاونية يتجند فيها الجميع لإنجاح هذا المشروع بمعنى غير مستورد ولا تابع ولا مملى من ثقافات خارجية بل يجب أن يكون نابع من اختيارات وأهداف وحاجات وطنية بالأساس.

و لمحاولة استنبات مشروع تربوي ناجح فعال لابد من تفعيل دينامية كل الفضاءات التربوية لما تلعبه من أدوار من شأنها الارتقاء بمستويات عمليات التربية وهو مايجعلنا نكب اهتماما كبيرا لمجال التربية محاولين اقتراح مشروع تربوي بديل أو متجدد مركزا على عدة منطلقات فكرية وعقدية ومرجعيات كبرى في بلورته وصياغته داخل المجتمع المغربي وتتمثل هذه المنطلقات في:

مقومات الشخصية المغربية وهي تلك المقومات التي صاغت الشخصية المغربية عبر مراحلها المختلفة بحيث هذا يعود للتصور العام للتربية على أنها لباس يفصل على قامة الشعوب وملامحها القومية وتقاليدها الموروثة وآدابها المفضلة وأهدافها التي تعيش من أجلها على اعتبار أن التربية التي لاتراعي جميع حاجات الفرد والمجتمع وحقيقته التاريخية هي تربية فاقدة لجميع مبرراتها كمقوم العقيدة الإسلامية وهي الرؤية الاسلامية للكون والحياة والانسان وأول أولويات هذه العقيدة هو ربط المجتمع بالقرآن الكريم وسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم بوصفهما المصادر الاساسية لهذه العقيدة، كون أن لها القدرة على ربط التربية بمقومات المجتمع وهي الخاصية التي أشار إليها أحد التربويين بأن جعل العمل نابعا من العقيدة، والعقيدة أساس لكل فعل وهناك كثير من الآيات القرآنية والاحاديث النبوية تركز على هذا الجانب وتؤكد عليه وهو أهمية ربط التربية بالعقيدة وكذلك للعقيدة القدرة على إحداث تغيير داخلي لكل فرد ومجتمع كون أنها تعتبر الموجه الأساسي لسلوك الفرد وهذا ماذهب اليه مالك بن نبي في تأكيده على أن الشرط الاساسي في تطور الانسانية هو النمو في مشاعرها الدينية فالعقيدة الاسلامية لها القدرة على تشكيل الضمير الجمعي للمجتمع لانها لاتسهم فقط في صياغة الشخصية المتماسكة بل تسهم كذلك في تحقيقي التماسك الاجتماعي بين افراد المجتمع وعليه فأهمية بناء مشوروع تربوي انطلاقا من فلسفة القرآن بالتركيز على الشخصية الثقافية التربوية الاسلامية لأن ديننا الحنيف يمتلك من المرونة في قواعده ومبادئه العامة المتعلقة بتنظيم الحياة البشرية في جميع مجالاتها ما يجعله صالحا لكل زمان ومكان.

إن للمشروع التربوي البديل هدف واحد متعدد الفروع والوجوه الذي يتمثل في إنقاد الطفل أو بالأحرى الشخصية المغربية مما سقطت فيه من العبث و اللايقينيات واللامنتظر على حد تعبير “إدغار موران “على كافة المستويات، فهذا الاستنباث يعد عملا لإحياء ماتبقى من التربية والعمل على هذا النحو يمثل الهدف الأساسي للمشروع التربوي البديل وذلك بالاعتماد على مجموعة من الاهداف الفرعية كالتركيز على الجانب الاخلاقي ومحاربة الآفات الاجتماعية وتوحيد جهود العلماء من كل المشارب العلمية (التربوية والاجتماعية والنفسية..) هنا والآن يجب التفكير إلى تطبيقات تربوية مستمدة من الفكر التربوي “لإدغار موران” لمحاولة البلوغ إلى درجات اليقين وما هو منتظر، عكس اللايقين واللامنتظر.

 

 

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.