فكر مقالات

المثقف العلَّاس

بقلم: ا.د. علي المرهج – العراق

كنت من قبل قد كتبت عن المثقف (اللاحوك)، وهو نوع من المثقفين الانتهازيين الذين يبيعون كل تاريخهم الثقافي من أجل الحصول على منصب، ليكونوا مداساً برجل أمير داعشي أو قائد مليشايوي، وهم غير مقتنعين بمتبنياته العقائدية ولا الفكرية ولا حتى المعرفية إن كانت له متبنيات فكرية، وبالتأكيد لا علاقة لهم بمخططاته الأيدولوجية، ولكنهم يطمحون لأن يحصلوا على ما يرميه لهم الأمير من فتات، على قاعدة (جوع كلبك يتبعك)، ولك أن تربط ما فعله صدام مع كثير من المثقفين والشعراء الكبار من أمثال شعراء القادسية وأم الحواسم، ولا أذكر أسماؤهم، ولك أن تذكر مثقفين من الغربية تساوقت رؤاهم مع داعش، وظنوا أنها المخلص لهم من (ظلم الروافض) بعبارتهم!، وأعرف بعضهم أساتذة فلسفة خبرونا وتتلذوا على يدينا، ولكنهم بمجرد دخول داعش لمناطقهم نسيوا ما كامنوا فيه من ترحيب بهم وتقدير، فانبروا مدافعين عما أسموه (ثوار العشائر)، وبعد (وكعت الفاس بالراس) وهدم الدواعش مقامات الانبياء وكل صرح حضاري في الموصل، عاد هؤلاء إلى رشدهم ولكن (بعد خراب مالطه) كما يُقال.

لا أستثني الكثير من المثقفين الكرد أو متملقي السياسة الكردية الإنفصالية من المثقفين العرب من المعادلة، فكلهم (لواحيك). ولا يختلف الحال مع مثقفين في وسط العراق وجنوبه من الذين جعلوا من أنفسهم بيادقاً بيد قادة الفصائل المصلحة والميليشيات، فصار أغلبهم، لا حرص وطني عنده بقدر ما تجده يدافع عن حق الطائفة في الحكم، وكأن الوطن هو الطائفة لا غير.

المثقفون الكرد يبحثون عن الإنفصال في خطابهم السائد، والمثقفون السنة يبحثون عن بعد عربي يستنجدون به من خطر واقعي أو يتخيلوه بفضل الطائفية السياسية التي أنتجها خطاب القادة الشيعة الذين يستمدون قوتهم من الدعم الإيراني.

بقول بسيط، إن حضر الولاء الوطني عند بعض المثقفين الذين يعملون للوطن وتنمية الشعور المواطني، فالكل تجدهم يرمونه بسهام التشكيك.

بعد كل ما ذكرت، ولك بعد (ولائي) هناك مثقف (لاحوك) يُنظّر ويدافع عن رؤية جماعته التي ستمنحه المناصب والمال الوفير، والحياة المرفهة، وهذا لا تخلو منه أمة ولا عقيدة لا في الغرب ولا في الشرق، وإن كان بيناً في الشرق، لكثر ما يُظهره المثقف من ابتذال لشخصه تجاه أمير في جماعة او دولة أوقائد في فصيل مسلح لا يفقه من الحياة سوى شيء واحد، وهو ما ذكره صدام حسين صانع الميليشيا المميز في السبعينيات من القرن المنصرم ليصنف الناس لصنفين: (إما معنا أو ضدنا)، فكل العراقيين بعثيين وإن لم ينتموا!!.

وهذا منطق الحكومات اللاحقة ومعارضيها بعد الإحتلال، فمن تمسك بالسلطة فهو يبحث عن مثقف (لاحوك)، وكذا الحال مع قوى المعارضة تبحث عن مثقف (لاحوك)، الأمر الذي توصلنا أن نتصور أن المثقف تابع وعرض لا جوهر، ولا دور له سوى التبرير لا السعي للتغيير التي هي مهمة المثقف الحقيقي.

لأعود لكم لمفهوم المثقف (العلّاس) من هو؟.

إنه المثقف الذي يمتلك آليات الدفاع وبناء تصور يتجاوز المثقف (اللاحوك) ليكون ولائياً أكثر ولائاً من الملك نفسه، ليُثبت للملك صدقه في الولاء المفرط، ليُثبت أنه (ولي حميم) بتوجيه بوصلة النقد لمثقفين من جنسه يُخالفونه في الرأي، فبقصد أو من دون قصد يكون هذا المثقف (علاساً) وأداة بيد (أمراء القتل) ليكون هو الممهد لقتل مثقفين معارضين له ولوليه وأميره.

لأحسن الظن بالمثقف الذي لا يظن أنه مثقف (علّاس) لأقول له أن خطابك (الانتهازي) ليكون لك كون، ولا كون لمثقفين غيرك يُخالفوك في الرأي، ربما، أو غالباً، سيكون فيه إعلان عن لقتل مثقف مختلف معك في متبنياتك الأيديولوجية والفكرية، ليتحول عاطائك الفكري المدافع عن أحقية مذهب أو طائفة أو أثنية بالوجود حال إشهارك بأسماء مثقفين في الفضاء الإعلامي على أنهم من (مثقفي السفارة) أو (الجوكرية) تبليغ لا يحتاج لكتابة تقرير عنهم لجهات لا تعرف مضامين متبنياتهم الوطنية أو تضادهم معك أو تضادهم مع مشروع الدول الإقليمية المجاورة لنا، والتي لا تخلو مخططاتها من رغبة في التوسع والقضاء على كل صوت وطني مخالف لها.

لا أقول أن كل مثقف ينتمي لمنظومة عقائدية أو أيديولوجية هو مثقف (لاحوك) أو (علّاس)، ولكن خطابه في (المسكوت عنه) أو (المضمر) يحمل بين طياته دعوة لقتل كل مناوئ ومعارض، لأن خطاب هذا المثقف موجه لجماعات لا تعرف معنى الإختلاف في الرأي، فتعتقد أنه خلاف، فتسعى جاهدة لكتابة نهايته بمسدس كاتم لشخص يركب دراجته لا يعرف قيمة من قتله!.

لا أعيد لكم حوادث تاريخية في القتل ومحاولات الاغتيال لمثقفين قتلهم أو حاول اغتيالهم جهلة أو أناس بسطاء لا يعرفون مقامهم، وحينما تم القبض عليهم سؤلوا هل تعرفونهم وتعرفون ما كتبوا؟!، فأجابوا لا، ولكننا عرفنا أنهم كفرة!!، وتلك حوادث حدثت مع من قتل فرج فوده، ومن حاول اغتيال نجيب محفوظ.

أختم لأقول أن المسؤول عن حوادث القتل ومحاولات الاغتيال للمثقفين هو مثقف من جنسهم ولكنه مثقف (علّاس) بقصد أو من دون قصد.
الرحمة لكل شهداء الثقافة الأحرار، والغفران لكل القتلة المغفلين الذين خدعهم مثقف (علّاس).

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
علي المرهج
الأستاذ الدكتور علي عبدالهادي المرهج؛ أستاذ الفلسفة والفكر العربي بقسم الفلسفة في كلية الآداب/الجامعة المستنصرية - العراق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.