دين مجتمع مختارات مقالات

المنتحرون في الجنة أم في النار؟!

المنتحرون في الجنة أم في النار؟!

بقلم/ أ. جميل عبد النبي

هذا هو السؤال الأكثر سوءاً الذي يُطرح كلما فجعنا بفقدان أحد أبنائنا منتحراً.

ما شأننا نحن بالجنة أو بالنار؟ ومن منا خولّه الله، أو ملّكه مفاتيح الجنة والنار ليصدر أحكامه على الناس؟!

نحن نترك الأسئلة التي علينا البحث عن إجاباتها، ونهرب في اتجاه ما لا سلطان لنا عليه.

حينما أشعل الشاب محمد البوعزيزي النار في نفسه نهاية 2010م لم يسأل الشعب التونسي عن مصير البوعزيزي الأخروي، إنما طرح السؤال الأهم: لماذا انتحر البوعزيزي؟ ومن هي الجهة التي تتحمل مسئولية هذا الانتحار؟ وما هو واجب الجماهير تجاه مأساة البوعزيزي؟

هنا، تعتبر هذه الأسئلة محرمة، فهي من وجهة نظر المتنفذين، وأعوانهم، وطبّاليهم متاجرة في دماء المنتحر، ومحاولة لإثارة الفتن، وبالتالي فإن أكثر ما نستطيعه هو أن نبكي بصمت، أو أن نناقش مصيره الأخروي، أفي الجنة هو، أم في النار..!

وحتى لا يتفذلك عليّ أحد، فأنا يقيناً ضد الانتحار، وأراه تعبيراً، أو إعلاناً صريحاً عن الاستسلام، والهزيمة، أمام واقع يحتاج إلى المواجهة، لا إلى الاستسلام، وكان على المنتحر- طالما امتلك شجاعة التضحية بروحه أن يضحي بها في المكان الصحيح، لا أن يترك الساحة للظالمين، معلناً استسلامه، وهزيمته.

لكنني أتساءل: ماذا لو فقد الناس الأمل في التخلص من ضيق واقع وتيقنوا أنهم لا يستطيعون تغييره؟

لا أفشي سراً لو قلت: إن الانتحار يكاد يكون سبيل اليائسين الوحيد تجاه البحث عن النجاة الفردية من واقع لا يبدو أنهم يمتلكون أدوات تغييره، بعد أن انحصرت خياراتهم في وجهتين لا ثالث لهما: فإما أن يواصلوا الصدام مع ظالميهم، وهم يعرفون أن أدوات الظالمين تفوق أدواتهم، وبالتالي فإن عليهم خلال المواجهة أن يتحملوا الكثير من الآلام، إضافة لتلك التي دفعتهم أصلاً للمواجهة، والتي يخلقها الظلم، واجهوه أو لم يواجهوه، وهم يعرفون أنهم لن يستطيعوا هزيمته، وإما أن يفروا إلى الله سبحانه وتعالى، ويضعوا مصيرهم بين يديه وحده، ناجين من قسوة الظالمين المستبدين..!

صحصح أنني لا أقبل بفكرة التسليم بأن الظلم قدر لا يمكن تغييره، وأن علينا على الأقل أن نواصل إزعاجه، وهذا شرف كبير يستحق أن نحافظ على حياتنا من أجله، لكني مع ذلك لا أقبل بفكرة حصر النقاش حول الانتحار- الذي يكاد يتحول إلى ظاهرة في مجتمعنا المظلوم- في مصير المنتحر الأخروي، لأنني أولاً: وكما قلت أعلاه أناقش ما لا سلطة لي عليه، ولأنني ثانياً: أعفي المسئولين من نتائج بحث الأسئلة الحقيقية التي تقف خلف ظاهرة الانتحار.

إن روح الإنسان هي أغلى ما لديه، وليس التخلي عنها بكل هذه البساطة، إن لم تكن الدوافع أكبر وأهم من غلاوة الروح ذاتها.

يحتفظ التراث الشعبي بقصة عجوز مرض ابنها، فكانت تدعو الله صباح مساء أن يزيح المرض عن الابن ويستبدله بها، وإن كان لا بد من الموت، فلتمت هي، وليحيا الابن، وعندما جاء ملك الموت ليخيّرها بين أن يقبض روحها، أو روح ابنها، أشارت إلى ابنها مرعوبة من رهبة الموت، قائلة لملك الموت: إنه هناك، هو المريض، اقبضوا روحه هو..!

بغض النظر عن خرافية هذه القصة الشعبية، فإن مؤلفيها عبّروا عما خبروه، فالموت ليس شيئاً مسلياً، وليس خياراً محبوباً، والتشبث بالحياة غريزة، وفطرة فطر الله عليها كل مخلوقاته، حتى الجمادات، والحيوانات، ما يعني أن المنتحر لا يقدم على الانتحار مازحاً، ولا منتشياً، إنما فقط لأن حياته صارت موتاً بطيئاً، وصار الموت السريع أكثر راحة من تلك التي تسمى حياة، بينما هي ليست إلا موتاً مع وقف التنفيذ..!

إن ما يجب أن يناقش هو التالي:

• لماذا انتحر من انتحر؟

• من هي الجهة المسئولة عن الانتحار؟

• كيف نقوّم سلوك تلك الجهة المسئولة، ونجبرها على أن تكف عن دفع الأحياء تجاه تفضيل الموت على الحياة؟

• ما هي الحياة التي تستحق أن تسمى حياة؟

تلك هي أسئلة الشعب التونسي الذي حطم بها طغيان بن علي، حتى وإن جاءت النتائج- لأسباب صارت معروفة- فيما بعد بغير ما فكر فيه المنتفضون الأوائل، لكن الشعب التونسي لم يلتفت إلى حديث المتفذلكين، المتألهين، مالكي مفاتيح الجنة والنار، إنما سعى لحماية أبنائه من مصير البوعزيزي، من خلال الإصرار على التخلص من الأسباب التي دفعته للانتحار.

لا يجوز ترك تلك الأسئلة بحجة المصير الأخروي الذي لا يعلمه إلا الله.

كلمة أخيرة أوجهها للشباب اليائس:

الانتحار ليس حلاً، ولا يعبر عن بطولة، مهما بدت أسبابه ودوافعه كبيرة، الانتحار هروب واستسلام، وكان الأولى أن يواصل المنتحر نضاله من أجل الحصول على حقوقه، حتى لو بدت وسائل المتنفذين أكثر فاعلية، فيكفيه شرف المحاولة، والتي لا يمكن أن تضيع هدراً، فكل تغيير نوعي يحتاج إلى تراكم كمّي، ما يعني أن أي جهد لا يحقق نتائجه عاجلاً، فإنه يؤسس إلى تغيير جذري ولو بعد حين، أما اليأس، والإحباط، ومن ثم التوجه نحو الانتحار فهو هروب قد يرقى إلى مستوى الجبن.

نرجوكم لا تفجعونا بكم، فالمستقبل لكم، ويحتاجكم، فأنتم عماده، بل أنتم أملنا الوحيد بعد الله سبحانه وتعالى في أن يغير الله حالنا، فلا تحطموا آمالنا وآمالكم، تمسكوا بحياتكم من أجلنا ومن أجلكم.

“ولا تيئسوا من روح الله، إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون”.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.