أدب و تراث عروض كتب مختارات مقالات

قراءة في رواية صحراء المماليك

قراءة في رواية صحراء المماليك
الروائي: خيري شلبي، رواية صادرة عن دار الشروق

بقلم/ نجوى الجزائري

ربما لم يبقَ للعبدِ إلا المطالبةُ بحقٍ واحدٍ و وحيد، ذلك أنه يئسَ من أمل الانعتاق من العبودية ومطاردة أملِ التحرر من الرّق، حتى و إن في شكلها الجديد المنمق تحت مسمى الحضارة والإنسانية وأشياء يعرفُ منها الاسم فقط كالمساواة، العدل والإنسانية تحتَ اسم رنان وجذاب “حضرة المواطن”.

تدور أحداث رواية (صحراء المماليك) في ضاحية جديدة تبعد عن القاهرة بحوالي 30 كيلومترًا تسمى تقسيم صحراء المماليك، يروي لنا (خيري شلبي) قصة الصحفي الكبير والمشهور «مروان الألفى» وكيفية تعرفه صدفةً على جارهِ مأمور سجن سابق اسمه “فهمى القزاز ” كشخصية فرضت نفسها عليه، نتعرف من خلال أحداث الرواية على حياةِ واحدٍ من سفاحي السجون المصرية في العهد الناصري وعلى حياته الشخصية، ندخل مع (مروان الألفي) بيت هذا السفاح نتعرف عليه عن قرب، عن زوجته خيرات الشامي، عن أولاده، وعن شلته التي يتورط معها في كثير من قضايا التعذيب والإبتزاز في صورة مصغرة لجلاد شعب يخضع شعبه للتعذيب والتنكيل في سبيل تحقيق أغراضه الشخصية الدنيئة.

خيري شلبي، كاتب وروائي مصري، ولد بقرية شباس عمير بمركز قلين بمحافظة كفر الشيخ – مصر في 31 يناير 1938 و توفي في 09 سبتمبر 2011 ، حصل على عدة جوائز منها جائزة أفضل كتاب عربي من معرض القاهرة للكتاب عن رواية صهاريج اللؤلؤ 2002، جائزة الدولة التقديرية في الآداب 2005 كما رشحته مؤسسة “إمباسادورز” الكندية للحصول على جائزة نوبل للآداب، وأيضا تولى رئاسة تحرير عدة مجلات.

صورة الغلاف:

مشهد لمجموعة من الناس(الشعب) تنتظر في شكل مذل، مرهق و متأهب في محطة الأتوبيس، شبهها الروائي (خيري شلبي) بخشبة مسرح يقف عليها المواطن البسيط الغلبان ناشراً شكواه وسخطه أمام المسؤول، أو ربما هي محطة من محطات معاناة الشعوب العربية مختزلة في محطة الأتوبيس، فمن يظفر بمقعد أو حتى بالركوب يكون قد حاز فوزا عظيما ، وقد ترمز لعجلة النمو الاقتصادي والاجتماعي للبلد بحسب حالة هذه المحطة.

العصر المملوكي:

يعود بنا (خيري شلبي) عبر اختياره لعنوان الرواية “صحراء المماليك” في رمزية صارخة للعصر المملوكي حيث انتقلت السيطرة على الدولة إلى حُرّاس المماليك بعد وفاة السلطان الأيوبي عام 1250م في مصر، حيث استولى العسكريون على الحُكم عام 1258، و سُمّيت دولتهم بالمماليك نسبةً إلى كلمة المملوك التي تعني العبد بالعربية، كان المماليك عبيداً أتى مُعظمهم من أصول تركيّة أو من القوقاز، وكان نظام دولة المماليك في مصر يتمثّل في شخص السلطان، حيثُ كان يُعرف بسيطرته على جميع الأمراء والوزراء في الدولة، يربط شلبي تسمية التقسيم بصحراء المماليك إلى هذا العصر تحديداً (أسموها صَحراء المماليك لأننا جميعاً مماليك، نحن جميعًا من أملاكِ الرئيس و أهلِ منزلهِ و مجلس وزرائهِ ومجلس شعبه ! الواحد منا إما مَالك أو مملوكْ ).

حق العبد في تغيير سيده!

ربما لم يبقَ للعبدِ إلا المطالبةُ بحقٍ واحدٍ و وحيد، ذلك أنه يئسَ من أمل الانعتاق من العبودية ومطاردة أمل التحرر من الرّق، حتى و إن في شكلها الجديد المنمق تحت مسمى الحضارة والإنسانية وأشياء يعرفُ منها الاسم فقط كالمساواة، العدل والإنسانية تحتَ اسم رنان وجذاب “حضرة المواطن” لذا أصبح يطالب بحق تغيير السيد والجلاد إن استطاع إلى ذلك توفيقاَ (الوطنُ هو الذي فَقد الإيمان بي! لم يعدْ يهمه شأنُ المواطنِ … امتلكهُ الحكام! … إنني اليومَ مملوك لأنور الساداتْ ويستطيعُ أقلُ خادمٍ من حاشيتهِ أن يبيعني، يَسجننِي، يخفيني تحتَ طقاطيقِ الأرض، فإن هاجرتُ سأكون مملوكاً لسادة جدد أقلهمْ شأناً شخصية الكفيل! فمملوك بمملوك، فدعني مملوكاً لسادة أعرفهم وأعرفُ كيف احتالُ عليهم للنجاة منهم) هي رفاهية جديدة مكتسبة (أن يجربَ الإنسانُ سادةً جددا! وهذهِ فيِ نظري رفاهية مملوكية: أن يكونَ لكَ الحقَ في تغييرِ سادتكَ واستبدالهم).

صناعة الدكتاتور:

صدقوا… إن الشعوبَ هي من تصنعُ جلاديها! (حينَ يصبحُ مكتوباً عليك أن تحتكَ بالجلادِ القاتلِ السفاح أو تعاشرهُ أو حتى تقتربَ منه لا يكون أمامكَ سوى التقية ! … تلك هي ملاذُ الشعب المصري طوالَ تاريخهِ: يعرفُ كيفَ يتقي جلاَديهِ و لكن لا يعرفُ كيفَ يواجههمْ ويقاومهم) التقية تلك كلمة مخففة لمفردات أكثر خضوعاً وخنوعاً كالخزي ولعق الجزمة مهابةً، مخافةً، اتقاءً لسخط الجلاد ورغبةً في العيش، لكن أيٌ عيشٍ هذا الذي يجبرُ الصانعَ (الشعب) على الخوف من المصنوع (الحاكم) ، (لا مقاومةَ تجديِ إلا بوعيٍ جماهيري قوىٍ متماسكْ … ولكن العدوّين اللدودين للتماسك والوعي هما الجبن والعوز …هذانِ هماَ السوسُ الذي يفتتُ بنيانَ الجماعةِ بالخيانة أو بالتخاذلِ…) إذن عرفَ الجلادُ كيف يركعُ الجمهور تارةً بالتخويف و أخرى وبالتجويع ، هكذا نصنع الطواغيت وإن مات طاغية سارعنا لإتخاذ آخر فنحن لا نملك أن لا نبقى بدونه!!!

إن السفاحَ بقدرِ ما هو مخيف ومنفر هو أيضاً مثير للفضول جاذب للفرحة !

الرواية تلقي الضوء على جانب آخر هو الصدفة، وكيف تلعب دوراً في حياتنا وعلاقاتنا، وكيف تفرض نفسها علينا فرضاً فلا نستطيع هربا ولا فكاكا، بالصدفة (وما أكثرها في هذه الرواية!) يروي لنا شلبي كيف التقى الصحفي مروان الألفي بمأمور السجن السابق فهمي القزاز، تلك الصدفة التي أشعلت فضول الصحفي للتعرف أكثر على هذا الشخص الغريب الذي تحوم حوله أقاويل وتقارير عدة تصفه بكلب الحراسة المسعور، مأمور تعذيب في سجن طره، يغوص مروان أكثر في شخصية وحياة فهمي بك، ويتعرف على عائلته ليكشف أن له زوجة فلاحة لكنها عصامية ومثقفة وجميلة جدا، عملت حتى النهاية لتكون زوجة صالحة وأماً رحيما بأولادها وصديقة عزيزة لعائلة مروان وزوجته، ليتحقق مروان بك الحظ قد كان في صالح فهمي القزاز ، الذي اغتصب كل شيء يملكه حتى الاسم (أهالينا دائماً يصفون الحظ بأنه أعمى ! والمثقفون صوروا العدالة بأنها عمياء تمسك بميزان العدل، فهل العدالة اختُ الحظ؟ كلاهما أعمى، وكلاهما يترتب على عمائه خير أو شر …) كذلك لعب الحظ في حياة فهمي القزاز بأن وهبه الله زوجة كتلك وقفت معه في سرائه وضرائه ولم تنل منه إلا الجحود والنكران لأنه جبان، والجبان دائماً هكذا قوته كلها تجيئه من البدلة الرسمية والكاب ! بدونهما يشعر أنه كلب لا يستأهل إلا الركل بالقدم.

تناقض !

يستشعر القارئ من خلال سرد الكاتب لحادثة موت جمال عبد الناصر تناقضاً واضحاً أو إلتباسا لدى البعض، كيف نتعرف من خلال الرواية على الأحداث والفترة التي ميزت حكم جمال عبد الناصر لمصر، وكيف تتعرض الكوادر الماركسية التي تصادمت مع ثورة يوليو متمثلة في أصدقاء الصحفي مروان الألفي لأبشع صنوف التعذيب في السجون الناصرية، ثم هو بعد ذلك يندبُ الرجلُ كالثكلى (الآن صرناَ يتامى ! كلُ من يحملُ في رأسهُ فكراً وطنياً مستنيراً أصبحَ من الآن يتيماً، لن يكونَ له مكان على موائد اللئام القادمين، لك اللهُ يا مصر ولناَ الصبرَ والسلوان ) صحيح أن جمال عبد الناصر مثل في حقبة ما من حكمه مثال الزعيم العربي الساعي لتوحيد العرب والأمة العربية، وأيضا عرفت فترة حكمه انتعاشا واضحا في النمو الاقتصادي للبلد، لكن بالمقابل كانت هناك دكتاتورية واضحة وحكم العسكر ماثل في جميع البلاد العربية آنذاك، يصور لنا الكاتب مشهد وصول وفود العزاء في جنازة عبد الناصر (ما أروعها من لحظة تاريخية مفحمة أن يتفقَ الخصومُ والأعداء من مشارق الأرضِ ومغاربها على نسيان الخصومات والعداوات والتصالح المؤقت للسير جنبا إلى جنب في تشييع جثمان أحد أهمِ وألمع زعماء القرن العشرين في العالم على الإطلاق …أي دويٍ مهيب ذلك الذي كان يحدثه اسم جمال عبد الناصر ؟!).

تجدر الإشارة أن الرواية تغطي جانباً من تاريخ مصر تحت حكم جمال عبد الناصر حتى وفاته في عام 1970 ، حيث تقول المصادر أن حكمه تميز بعهد جديد من التحديث والإصلاح الاشتراكي في مصر ودعوة قوية إلى القومية العربية (بما في ذلك اتحاد قصير الأمد مع سوريا ) والتضامن مع العالم النامي، ارتفعت مكانة جمال عبد الناصر في مصر وفي جميع أنحاء العالم العربي في أعقاب تأميمه لقناة السويس في عام 1956 وانتصار مصر السياسي في العدوان الثلاثي اللاحق ولكنها تضررت بشدة من جراء الاجتياح الإسرائيلى واحتلالها للأراضي المصرية والعربية في حرب الأيام الستة من عام 1967، يُنظر إلى هذه الحقبة على أنها فترة يتمتع فيها المواطنون العاديون بفرص غير مسبوقة في السكن والتعليم والوظائف والخدمات الصحية والتغذية بالإضافة إلى أشكال أخرى من الرفاهية الاجتماعية في حين تراجع التأثير الأرستقراطي،ل كن النمو الاقتصادي الكبير الذي بدأ منذ أوائل عقد الستينيات من القرن الماضي قد شهد تراجعاً في الفترة المتبقية من هذا العقد بعد حرب 1967 ولم ينتعش إلا في عام 1970، خلال فترة حكم جمال عبد الناصر شهدت مصر عصرًا ذهبيًا من الثقافة خاصة في المسرح والسينما والتلفزيون والراديو والأدب والفنون الجميلة والكوميديا والموسيقى، تلاه عصر أنور السادات حيث شهدت رئاسته العديد من التغيرات في اتجاه مصر، معاكسًا بعض المبادئ الاقتصادية والسياسية للتيار الناصري بالانفصال عن الاتحاد السوفييتي جاعلًا مصر حليفًا للولايات المتحدة، وبدأ عملية السلام مع إسرائيل، وأعاد نظام تعدد الأحزاب، بالإضافة للتخلي عن الاشتراكية بإطلاق سياسة الإنفتاح الاقتصادية.

ينطلق الروائي خيري شلبي في رواية “صحراء المماليك” مما يسميه النقاد بأسلوب السرد الذاتي أو بالرؤية الداخلية ذات الاتجاه الحديث، حيث تنطلق من الراوي محدود العلم، الذي يطلق النقاد على رؤيته بالرؤية المصاحبة أو المشاركة أو (الرؤية مع) حيث يبدو الراوي مشاركاً في الأحداث الروائية وإحدى شخصياتها ففي هذا العمل تمثلت في شخصية الصحفي مروان الألفي، لكنه مع ذلك محدود العلم، يعرف ما تعرفه الشخصيات الأخرى ويجهل ما تجهله ولذلك القارئ يكتشف من خلال أحداث الرواية و الظروف المحيطة بعلاقة الصحفي مروان الألفي بشخصية فهمي القزاز ، لذلك هو شخصية تتساوى مع الآخرين مستعينة في الغالب بضمير المتكلم و المتحدث، إذن خيري شلبي في روايته هذه ارتدى قناعا فنيا، شخصية الصحفي مروان ليتستر خلفه ولإقناعنا بواقعية ما يرويه من أحداث تحليله الشخصي لها والظروف العالمية والوطنية المصاحبة لها.

خيري شلبي الحكاواتي المصري بلغة مصرية بلدية، ولغة سردية رائعة، رائقة ومتقنة تشّدُ القارئ لتتبع الأحداث وكأنه يشاهد فلماً مصرياً بالأبيض والأسود، دخلنا أزقة صحراء المماليك وتتبعنا خطوات مروان الألفي المتحرية والمتحيرة في آن واحد، بكثير من الصدف في هذا العمل وكثير من العبارات المصرية التي تبرز المحيط الفلاحي المصري الذي لم يهزمه الزمن والواقع المصري المعيش، ومن خلال الخيال الإبداعي للحكواتي يرسم خيري شلبي، بدقة مذهلة عوالم وشخصيات روايته «صحراء المماليك ” شخصية مروان الألفي الصحفي المشهور الذي يلقى ترحيباً أينما حل، ذو قلم صادق وحساس مبدع لكنه مع ذلك تظهر بعض السذاجة في تعامله مع فهمي القزاز أو ربما طيبة القلب الزائدة حد التورط في قضاياه الوسخة، أما شخصية فهمي القزاز فقد برع خيري شلبي في رسمها وحبكة حياتها مستعينا بمفردات ومعاني أدت الغرض تماما، تبقى شخصية أخرى أعطت للعمل ليونة وجمالا وأنفة هي شخصية خيرات الشامي زوجة السفاح فهمي القزاز ، تمثل شخصيتها المرأة المصرية الفلاحة لكنها مثقفة وكاتبة أيضاً (وهو غريب نوعا ما عن المجتمع الفلاحي) لكن كانت في مستوى المرأة الصنديدة الرافضة للظلم ذات شخصية قوية ومحببة للجميع.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.