أدب و تراث عروض كتب مختارات مقالات

سيمفونية الرعاة – أندريه جيد

بقلم/ أ. محمد عبد العاطي 

كتب الأديب الفرنسي أندريه جيد (١٨٦٩ – ١٩٥١) هذه القصة ونشرها عام ١٩١٩، أي وهو في الخمسين من عمره. في تلك السن التي عندها قد يغير المرء، بقرار كبير، مسار حياته أو يستمر حتى الممات فيما هو عليه.
تعالج القصة، في تقديري وبحسب فهمي، فكرة التحول وما يطرأ على الإنسان خلال هذه العملية من أفكار ومشاعر وأحاسيس، سواء التحول في عاطفته من الرحمة والشفقة إلى الحب الجسدي والقلبي، أو التحول في المذهب الديني من البروتستانتية إلى الكاثوليكية، أو التحول في المشاعر بين الأب والابن من مشاعر الأبوة والبنوة إلى مشاعر الذكورة والتنافس والغيرة.
إذن فكرة التحول هي ما تعالجه قصة السيمفونية الرعوية لأندريه جيد، والتي ترجمها من الفرنسية إلى العربية الكاتب والمفكر الدكتور نظمي لوقا، وصدرت عن دار الهلال عام ١٩٧٨.
الحدوته التي نسج منها المؤلف خيوط قصته تدور حول راعي (قسيس) في إحدى مقاطعات فرنسا، متزوج من إميلي، المراة المنظمة المتفانية في شؤون بيتها وأولادها، وله منها خمسة من الأولاد، أكبرهم في السابعة عشر من عمره يسمى جاك. يقضي الراعي وقته في تفقد الفقراء وزيارة المرضى في بلدات وقرى أبرشيته، وفي إحدى الزيارات استوقفته طفلة تخبره باحتضار عجوز، فذهب معها ليحضر لحظات خروج روحها ويُسمعها بعض آيات الإنجيل، وبعد وفاتها يفاجأ بوجود فتاة عمياء في كوخ هذه العجوز الفقيرة، وبأنه لا أحد لها على الإطلاق يرعاها، فأشفق عليها، وناداه ضميره وواجبه الديني لأن يصطحبها معه إلى بيته، تعيش مع أولاده ريثما يفكر في أمرها.
ومن هنا تبدأ القصة..
الزوجة تغضب وتغار وهو يحاول التخفيف عنها، وفي النهاية تميل هي أيضا نحو الرحمة بهذه المخلوقة المسكينة البائسة، فتأخذها وتحممها وتبدل ملابسها، وتطعمها، وتهيئ لها مكانا للنوم مع بناتها.
ويلاحظ الراعي أن الفتاة، التي أطلقوا عليها اسم جرترود، ليس عندها ما يمنعها فسيولوجيا من الكلام، وإنما حرمها من ذلك أن العجوز التي كانت ترعاها كانت هي نفسها بكماء، فشبت هذه الفتاة لم تسمع كلمة ولم تر شيئا، حيث لم يكن أحد يزورهم ولا يزورون هم بدورهم أحدا.
فبدأ الراعي يعلمها الكلام عبر حاسة اللمس، فيجعلها مثلا تمسك بشئ صلب وآخر ليّن ثم ينطق كلمتي صلب، ليّن، عشرات ومئات المرات حتى تفهم الفرق بينهما وتحاول تقليده في نطقهما، وهكذا مع الشئ البارد والحار، الطويل والقصير، الخ.
وبعد معاناة شهورا طويلا، وصل فيها الراعي لحافة اليأس من قدرته على تعليم جرترود شيئا، إذا بها، كذوبان الجليد، ورويدا رويدا تمسك بأولى خيوط الفهم والنطق، ثم سرعان ما انطلقت بعد ذلك، فغدت بعد أشهر قادرة على الفهم والتخاطب، إلى أن زاد بشكل كبير، ادراكها ووعيها واستيعابها للمعلومات والأفكار التي كان يعلمها لها الراعي.
وبعد عام أو عامين أصبحت الفتاة ناضجة وواعية لا يفرقها شيء تقريبا عن أقرانها سوى البصر.
وفي الاثناء حدث التحول الذي أشرت إليه في مقدمة هذا العرض. فالراعي قد تحولت مشاعره تجاه جرترود من مشاعر الشفقة بمخلوقة لا حول لها ولا قوة، حيث لا قريب ولا صديق، ولا كلام ولا إبصار، إلى مشاعر اختلطت فيها الرغبة الجسدية بالمحبة القلبية. وتصادف أن وقع ابنه جاك البالغ ثمانية عشر عاما في حب جرترود ايضا. وتواجه الاثنان في موقف انتهى بأن انسحب الولد وقرر مغادة البلدة في إجازة طويلة مفسحا المجال أمام والده.
وتتحول أيضا مشاعر جرترود تجاه القس من إحساس بالامتنان والاحترام والمحبة لما بذله تجاهها من عناية ورعاية وتعليم إلى حب اختلط فيه أيضا ما هو جسدي بما هو قلبي.
وهكذا، تعقد الموضوع، ومع تعقده تتطور الأحداث بسرعة.
ويخبر أحد أصدقاء القسيس من الأطباء أن حالة جرترود يمكن أن تتغير إذا أجروا لها عملية. وتجرى العملية ويعود إليها بصرها. وحينما ترى جرترود زوجة القس والحزن والهم الذي على محياها، وأنها السبب في تعاستها بعد أن تغير قلب زوجها إزاءها وهي التي ما قصرت في رعايتها، تقرر الانتحار بإلقاء نفسها في قناة مائية، لكنهم بعد دقائق ينقذونها، غير أنها قد أصيبت بضرر جسدي ونفسي، لم تعش بعده إلا أياما قليلة ثم تفارق روحها الحياة. وتنتهي القصة التي سميت سيمفونية الرعاة، نسبة إلى مقطوعة موسيقية بهذا الاسم أحبتها جرترود في أول خروج لها لحفل عام بصحبة القس، وفي كلمة الرعاة، مواربة، حيث يفهم منها رعاة الخراف في الخلوات كما يفهم منها رعاة القسوس البروتستانت، كما يقول نظمي لوقا.
الحق أن القصة من حيث فكرتها جديرة بأن تُروى، فقضية الصراع الداخلي بين بواعث الجانب الديني الروحاني الرحماني الخيري وبين الجانب الجسماني الشهواني الغرائزي، لهي مادة خصبة للسرد والتأليف ومجالا يصول فيه الخيال ويجول.. لكن العمل الأدبي لا ينجح فقط بإمساك الأديب بالفكرة، وإنما، بالتوازي مع ذلك، بأدوات القص والسرد، من أسلوب وبناء داخلي وخارجي للشخصيات، وبالزمن الداخلي للقصة، ومنطقية المواقف والأحداث.. وغير ذلك مما هو معروف، وهو ما لم يكن بذات المستوى المتوقع من اسم مشهور كاسم أندريه جيد.
فالقصة بدت تارة متماسكة لا سيما في صفحاتها الأولى وتارة مهلهلة خاصة حينما بدأ المؤلف في الحديث عن حبه هو وابنه لجرترود، وحب جرترود له، فلم نقتنع بتطور مشاعره ولا مشاعرها، ولا بمسوغات تحول مشاعرهما، وظهرت أمامنا شخصية الراعي، أو أراد أندريه جيد أن يظهرها، كرجل يعيش تناقضا شعوريا دون أن ينبني أمامنا رويدا رويدا معالم هذا التناقض وبواعثه وأسبابه.
فكان العيب الأبرز في هذه القصة هو في جانبها البنائي وقد استدعى هذا بالتبعية اضطراب الزمن الداخلي للرواية، فحينا كان يسير بوتيرة تخدم السرد وأحايين أخرى كان يقفز قفزات لا يواكبها، وكأن المؤلف أجهده العمل فأراد انهائه على عجل.
وربما أثرت تلك المثلبة أيضا على ترجمة نظمي لوقا، فبدت في بعض الصفحات جميلة ومفهومة وسلسلة ورائقة، وفي صفحات أخرى ضعيفة ومرتبكة وجافة وشائكة.
لكن، ومع هذا الضعف التقني السردي البنائي الذي أشرت إليه، فإن القصة تشد قارئها، لما احتوته من أفكار جريئة سواء في الفكرة الأساسية؛ فكرة التحول، أو في أفكارها الجزئية وبخاصة عن رأي الكاتب في المسيحية التي وصلتنا عبر كلمات المسيح وتلك التي وصلتنا عبر كلمات القديس بولس، وفي المفاصلة بين البروتستنتية والكاثوليكية التي تحول إليها الابن جاك الذي ترهبن والفتاة جرترود قبل وفاتها، وغير ذلك من آراء وأفكار لم يكن ينقصها الوضوح أو تعوزها الشجاعة.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
محمد عبد العاطي
محمد عبد العاطي؛ باحث متخصص في مقارنة الأديان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.