اجتماع ثقافة مجتمع مختارات مقالات

ازدواجية المواطن العربي

 

بقلم/ رشا صالح – مصر

تعد ازدواجية التفكير ظاهرة نفسية واضحة في المجتمعات العربية ويعاني منها غالبية المواطنين من جميع الفئات والطبقات الاجتماعية ولكن بنسب متفاوتة دون أن يشعروا. بالفعل، إنهم يعانون منها لأن الازدواجية نتيجة من نتائج الهدر الإنساني وانقسام الإنسان بين رغباته وصعوبة تحقيقها.

وسأستعرض بإيجاز بعض صورها في الفئات الرئيسية في المجتمع:

ازدواجية الحاكم:

في البلاد العربية التي تملك إرثا ثقافيا إسلاميا، يحب أن يظهر الحاكم بصورة الرجل المتدين المحافظ علي قيم العدل والمساواة بين المواطنين ولكنه يرغب في الاستبداد والتحكم بجميع مقاليد الأمور ويحافظ علي رئاسته أي كان مصدرها؛ تبعا للإرث القبلي والأبوي. ويجد اذعانا من مواطنيه فتتقرب منه فئة تستمد قوتها منه ويستمد هو شرعيته منها.
وبداية هذه الإشكالية ظهرت في تاريخنا الاسلامي بعد انقضاء الخلافة الراشدة والفتنة الكبرى وتولي بني أمية الحكم وهي فترة بداية الملك العضوض كما أخبرنا عنها الرسول الكريم الذي من أجله تم تضييع أهم شرط من شروط الخلافة. فحاول الخلفاء الأمويون ومن بعدهم العباسيون التقرب من الفقهاء والصالحين وإنزال الأذى بمن يعترض على ملكهم العضوض بينما الرجل المسلم العادي يعاني بشكل أو بآخر من رغبته في إقامة الخلافة على أساسها الشرعي وعدم قدرته على ذلك.

ازدواجية رجال الدين:

لمكانة الدين لدى الشعوب العربية يحاول الحكام استمالة الشعوب بالتقرب من رجال الدين ومع إنشاء المؤسسات الدينية في العصر الحديث أصبح رجل الدين مهنة تمتهن وليست دليل على الصلاح وإن كان من بينهم الصالحون. وبدأت حملة من غرضها تفسير النصوص الدينية القرآنية بما يواكب مصلحة البعض فأخذت بعض الجهات مهمة تشكيكية في السنة النبوية التي إذا حيدناها لا يمكن تفسير القرآن الكريم تفسيرا صحيحا ونقع في معضلة تاريخانية النص المقدس.
والتشكيك في كتب التراث الإسلامي بحجة وجود أخطاء لا يخلو منها أي اجتهاد إنساني سواء إذا كان قصورا من المؤلف او عدم فهم سياق الكتاب أو لعدم وجود التقدم العلمي مثلما هو الآن.

ونعود للماضي فنجد الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان يخطب ابنة سعيد بن المسيب ولكنه يرفض فينزل به أشد العقاب ويتخذون بعد ذلك الحيلة حتى يجوز مبايعة خليفتين متتاليين في مجلس واحد رغم تشديد الرسول صلى الله عليه وسلم على عدم جواز ذلك، ومحن الفقهاء الأربعة وغيرهم خير دليل على محاولة الحاكم إجبار الفقيه علي تأييده.

ازدواجية المواطن العادي:

يقع العربي في صراع داخلي بين رغباته الإنسانية البسيطة التي لا يستطيع تحقيقها وبين الظهور بالقوة وبالتدين، ليجد القبول المجتمعي في مجتمعات يرتفع بها سن الزواج ويقل بها الدخل وتتدنى الفرصة في إيجاد عمل يدخل الشباب في اكتئاب ومحاولة لتنفيث الغضب، ولكنه محكوم بالظهور الإجتماعي اللائق، لذلك يظهر للناس عكس ما يبطنون.
إن كفاءة المواطن العربي ليست هي المقياس لتولي الأعمال والمناصب، وإنما الولاء لرئيس الهيئة أو رب العمل فيلجأ ضعاف النفوس إلى النفاق والمداهنة ولكنه في قرارة نفسه يرفض ذلك فيقسو علي من هم أدنى منه في السلم الوظيفي ويظهر نفسه بالمتدين أو الكفء فتزداد ازدواجيته النفسية تدريجيا.

ازدواجية المرأة:

تعاني المرأة من كونها في مجتمع ذكوري يشعرها بضعفها لأنها عاطفية فتحاول إزاحة عاطفيتها جانبا وإظهار القوة والشدة بالأخص إذا تولت منصبا قياديا. ومن الملاحظ أن المدراء من النساء يتميزن بالقسوة أكثر من نظرائهن من الرجال.

وإذا أظهرت فتاة تميزا في مجال فكري تشعر بالغربة في مجتمع النساء، كما أن مجتمع الرجال لا يناسبها ويصفها البعض أنها تملك عقل رجل وربما واجهت التعنت في سبيل تحقيق أحلامها فيشعرها بدونية كونها أنثى لا تستطيع الفكاك من طبيعتها الأنثوية؛ ونتيجة لذلك تعتنق بعض الفتيات أفكار النسويات والدافع وراء ذلك ليس كرهها للرجل بقدر إنكار طبيعتها كأنثى.

وتستصعب محاولة مواجهة الازدواجية كقضية مجتمعية شاملة ولكن من الممكن معالجتها علي مستوى الفرد نفسه …
فقط، كن صادقا مع نفسك، اعترف بضعفك وحاول إصلاح شأنك وتقرب إلى الله.

 

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.