تاريخ سياسة مختارات مقالات

حكاية جماجم الشهداء الجزائريين

بقلم/ أشرف بدر

الجماجم…
أعادت فرنسا للجزائر مجموعة من الجماجم تعود لمقاومين جزائريين… بحسب قناة “فرنسا 24″، يوجد 18 ألف جمجمة محفوظة بمتحف “الإنسان” في باريس؛ من ضمنهم 36 قائداً من المقاومة الجزائرية قُتلوا ثم قُطعت رؤوسهم من قبل قوات الاستعمار الفرنسي أواسط القرن الـ 19، ثم نقلت إلى العاصمة الفرنسية لدوافع سياسية وأنثروبولوجية!!!
قد تتمثل الدوافع السياسية بالمساومة على جثثهم، أو محاولة ردع المقاومين من خلال أخذ جثثهم وعدم دفنهم بواسطة أهاليهم، كما يحدث في فلسطين في مقابر الأرقام… والسؤال هنا: ما هي الدوافع الأنثربولوجية؟
بداية لا بد من تعريف الانثربولوجيا…والتي يعرفها البعض بأنها: ” العلم الذي يدرس سلوك الإنسان، من حيث إنه يعيش في مجتمع له ثقافة اجتماعية معينة، وهذا الإنسان له سلوك محدد ويمارس نشاطاتٍ محددة، أيضاً يقوم هذا العلم على دراسة الحياة البدائية والحياة المعاصرة الحديثة للإنسان والتنبؤ بمستقبله القادم، بالاعتماد على تطور الإنسان عبر التاريخ، كما يوجد هناك تعريف شامل لها، وهو علم دراسة الإنسان حضارياً واجتماعياً وطبيعياً”…
إذاً ما هي علاقة الاستعمار الفرنسي بالأنثربولوجيا؟
استند الاستعمار على النظرية الداروينية؛ التي تحاجج بشكل “علمي” بوجوب تقسيم الأجناس البشرية إلى أجناس متقدمة وأجناس متخلفة. حيث نجد اتفاقاً عاماً بين المستشرقين على ما ذهب إليه داروين في أنّ الشرقيين يمثلون البقايا المنحطة لعظمة سابقة، وذلك بهدف تبرير احتلال الشرق واستعماره…. (بحسب عبد الوهاب المسيري استندت الصهيونية أيضاً على نظرية داروين في تعاملها مع الفلسطينيين، والتي تفترض أن هنالك تفاوت عرقي وبيولوجي وحضاري بين الأجناس)…
ربطت النظرية العنصرية بين الخصائص البيولوجية أو الشكلية والخصائص العقلية والنفسية، وهكذا تم التنظير للعنصرية الاستعمارية بالاستناد على الخطاب “العلمي”، حيث يعزي مجموعة من الأطباء الأوروبيين شيوع الجريمة في أوساط السكان الأصليين (الواقعين تحت الاستعمار) إلى وجود تخلف في نمو قشرتهم الدماغية، وقال آخرون أن الأفريقي لا يستخدم الفصين الجبهيين في دماغه. ووصل الأمر بادعاء أحد الأطباء؛ عقب مراقبته مئة دماغ لمواطنين أصليين من نيروبي، بأنّ هنالك غياب لأدمغة مميزة، بخلايا في مرحلة تطورها الأخيرة، مستنتجاً بأن هنالك دونية لدى السكان الأصليين تمثل كمياً ب 14,8%. وتطور الأمر نحو اختراع المستشرقين أداة لقياس حجم الرأس (سيفالوميتر)، بحيث يتم تسجيل حجم رؤوس شعب ما ومعايرته بدرجة تقدمهم، طبقاً لذلك تم التمييز بين الأجناس السوداء، والصفراء، والقوقازية؛ واعتبرت ثلاثة مراحل منفصلة في سلم التطور. على افتراض ان حجم جمجمة الواقعين تحت الاستعمار أصغر من متوسط حجم جمجمة الاوربيين “المتحضرين”، وبالتالي أدمغتهم أصغر وأقل تطوراً….
الخلاصة:
استند الاستعمار على خطاب “علمي” (طبعاً تم تفنيده فيما بعد من قبل العلماء)، ففي مرحلة الاستعمار المتزامنة مع الحداثة الاوروبية “العقلانية”؛ المقدسة للعلم، جاء التمييز ضد المستعمَرين على أساس التبرير العلمي لهذه العنصرية عبر نظرية التطور وتفاوت الأجناس الداروينية، من خلال قياس حجم جمجمة الواقعين تحت الاستعمار، للإثبات بأن دوافعهم للمقاومة ناشئة عن خلل في تركيب أدمغتهم، يجعلهم يميلون نحو “الإجرام” وليس بسبب الظلم والاضطهاد والاستغلال الذي يمارسه المستعمر…

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.