تاريخ مقالات

السلطان صلاح الدين الأيوبي ومعركة حطين … تاريخ عصي على التزوير

السلطان صلاح الدين الأيوبي ومعركة حطين …
تاريخ عصي على التزوير

بقلم: د. وسام الدين محمد عبده

كان يوم صيفي حار مثل هذا اليوم؛ يوم السبت الخامس والعشرين من شهر ربيع الآخر من العام الثالث والثمانين والخمسمائة من هجرة الرسول (ص)، الموافق الرابع من يوليو عام سبع وثمانين ومائة وألف من الميلاد؛ وفي سهل حطين في فلسطين؛ حقق السلطان صلاح الدين الأيوبي أعظم انتصاراته العسكرية على الإطلاق، إذ هزم جيش بيت المقدس والإمارات الصليبية في الشام؛ وقد أعقب هذا النصر بفترة قصيرة، تحرير مدينة بيت المقدس؛ ويعتبر كثير من المؤرخين الغربيين المعاصرين مثل كينيث سيتون أن معركة حطين فتحت الباب إلى انهيار المشروع الصليبي في الشام.

ما قبل الواقعة

بعد انتهاء الحملة الصليبية الأولى (1096م – 1099م)، قام الصليبيون بإنشاء مملكة بيت المقدس، والتي اتخذت من مدينة بيت المقدس عاصمة لها، وكان حاكمها المقدم بين أمراء وزعماء الصليبيين والوحيد الذي يحمل لقب ملك؛ كذلك قام هؤلاء بإنشاء ثلاثة إمارات أخرى في الرها وطرابلس وانطاكيا. ولكن المسلمون أفاقوا من الصدمة بسرعة، وبدأ الهجوم المضاد على يد عماد الدين زنكي الذي استرد الرها عام 538هـ/1144م، وهو الأمر الذي أدى إلى استدعاء حملة صليبية ثانية جديدة (1145م-1149م) انتهت بفشل ذريع؛ في نفس الوقت أعادت الكنيسة الكاثوليكية توجيه الحملات الصليبية إلى أماكن أخرى من العالم، إلى الأندلس وسواحل بحر البلطيق، مما أدى إلى خمول النشاط الصليبي في الشام، وعانت إمارات الصليبيين في الشام من نقص في القوى البشرية، وتجاهلها الأمراء والحكام الأوروبيين.

وعلى النقيض من الحالة المتردية للصليبيين، كانت حالة الجبهة الإسلامية بعد ظهور صلاح الدين على مسرح الأحداث؛ كان صلاح الدين نبيل كردي وضابط في جيش آل زنكي؛ استطاع في ظروف سياسية معقدة أن يرتقي عرش القاهرة ودمشق، ومنذ أن أُعلن سلطانًا في دمشق عام 1174م، عمل على توحيد جبهة الجهاد الإسلامي التي عانت دائمًا ومنذ بدأ الحملات الصليبية من التصدع بسبب المنافسات بين الأمراء المسلمين؛ وبحلول عام 1186م، كانت سلطة صلاح الدين تشمل مصر والداخل الشامي ومنطقة الموصل وديار بكر والحجاز واليمن، لتجتمع في حوزته أكبر قوة بشرية واقتصادية في المنطقة.

الطريق إلى حطين

في مطلع العام 1187م، أقدم رينالد دي شاتيلون؛ أحد الأمراء الصليبيين الذي يسمى في المصادر العربية بأرناط، على مهاجمة قافلة للمسلمين، ناقضًا الهدنة بين المسلمين والصليبيين؛ وإزاء تقاعس ملك بيت المقدس عن معاقبة دي شاتليون، وهو ما اعتبره صلاح الدين تواطؤ من قبل ملك بيت المقدس مع دي شاتليون وتزكية لغدره، قرر صلاح الدين أن يعاقب دي شاتليون بنفسه، وأرسل قوة لمهاجمة الأراضي التابعة لدي شاتليون. في أول مايو 1187، التقت قوة من فرسان المعبد مصحوبة بمشاة مملكة بيت المقدس بقوة إسلامية عند عين الجوزة بالقرب من مدينة الناصرة، فأبيدت القوة الصليبية عن بكرة أبيها، وهو ما اعتبره الصليبيون مقدمة ضرورية للغزو الشامل المنتظر على يد صلاح الدين.

كان صلاح الدين قد راح يحشد قواته من شتى أرجاء إمبراطورتيه الشاسعة جنوب دمشق، كانت قواته تتألف بصورة أساسية من الفرسان النشابين الخفاف والمشاة، وإلى جانبهم قوات المتطوعين الغير نظامية، وقد قدرت قواته يومئذ ما بين عشرين إلى خمسة وعشرين ألف مقاتل، نصفهم على الأقل كانوا من الفرسان، وقسم الجيش إلى ثلاثة فرق، يرأسهم صلاح الدين نفسه. كان من الجلي لصليبي الشام أن الخطوة التالية لصلاح الدين الأيوبي لابد وأن تكون موجهة لهم، ولهذا السبب، أرسل الصليبيون يستجدون المساعدة من فيليب الثاني ملك فرنسا وهنري الثاني ملك إنجلترا، ولكن استغاثتهم لقت آذان صماء، واكتفى ملك إنجلترا بإرسال إعانة مالية لمملكة بيت المقدس.

أدرك صليبيو المشرق أن عليهم أن يواجهوا مصيرهم بأنفسهم.
وتحت قيادة ملك القدس جاي دي لوزينيان، راحت تجتمع القوى الصليبية، فأجتمع تحت لواءه ما بين عشرين إلى أثنين وعشرين ألف مقاتل، منهم نحو ألف وثلاثمائة فارس مدرع؛ ثم انضم لهم عدد من المتطوعين من بحارة الاساطيل الإيطالية قدرهم بعض المؤرخين الأوروبيين بنحو عشرة آلاف متطوع، واستخدم دي لوزينيان الإعانة المالية الإنجليزية في استئجار نحو خمسمائة من المرتزقة المعروفين بالتركوبوللي والذين كانوا من المسلمين الذين يخدمون الإمبراطورية البيزينطية. من الناحية العددية، كان كانت كفة الصليبيين أرجح، ولكن ميزان التفوق النوعي كان في صالح المسلمين، الذين يتفوق فرسانهم الخفاف النشابين على الفرسان المدرعين الأوروبيين ثقيلي الحركة؛ ومن ناحية أخرى، فإنه قد أجتمع في الجيش الصليبي كل قادر على حمل السلاح في الإمارات الصليبية، وهو ما يعني أن المدن والبلدات التي يحتلها الصليبيون، قد أصبحت بلا حامية تحرسها.

المعركة

تحصن الصليبيون شمال الناصرة في مكان يعرف بصفورية؛ قرر صلاح الدين أن يستدرج الصليبيين بعيدًا عن مواقعهم المحصنة، فقاد هجومًا على قلعة طبرية، بينما بقي القسم الرئيس من جيشه متمركزًا عند بلدة كفر سبت جنوب غرب طبرية؛ التقم الصليبيون الطعم، وتحرك الجيش الصليبي لأنفاذ قلعة طبرية، ولكن القلعة كانت قد سقطت بالفعل في الثالث من يوليو 1187م؛ أصبح على الصليبيين أن يجدوا مكان جديد للتحصن، واختاروا حطين حيث يمكنهم الاعتماد على عيونها المائية للشرب في هذا الجو القائظ، ولكنهم عندما وصلوا إلى حطين وجدوا الجيش المسلم بينهم وبينهم عيون الماء، فاضطروا إلى أن يعسكروا ليلتهم فوق هضبة حطين؛ وبينما كان الصليبيون يتمزقون من العطش، راحوا يسمعون التكبيرات والتهليلات من معسكر المسلمين القريب، وزاد حالهم سوء أن المسلمين وقد اكتشفوا أن مواقع الصليبيين في اتجاه الريح، قاموا بحرق الأعشاب الجافة لتحمل الرياح دخانها على معسكرات الصليبيين.

في الصباح، قرر جاي دي لوزينيان، ملك بيت المقدس وقائد الصليبيين، قيادة جنوده لشق طريقه نحو عيون الماء؛ وقاد جنوده العطشى التعبين المحبطين في هجوم يائس تحت وطأة هجمات الفرسان النشابة المسلمين؛ أدرك أحد كبار قادة الصليبيين، ريموند حاكم طرابلس، مدى تأزم موقف الجيش، ففر من ميدان المعركة، ليحطم ما بقي من روح معنوية للصليبيين؛ طوق الجيش المسلم الصليبيين، وانهارت مشاة الصليبيين وسقط أكثرها ما بين قتيل وجريح، وراح ما بقي من فرسان يلقون بأسلحتهم ويفرون أو يستسلمون للمسلمين متوسلين الرحمة.

هزم الجيش الصليبي.

في اعقاب النصر أُسرَ معظم أمراء الصليبيين الذين شاركوا في المعركة، وعلى رأسهم جاي دي لوزينيان، ملك بيت المقدس، وكذلك رينالد دي شاتيلون أو أرناط والذي تسبب في إشعال الحرب؛ أمر صلاح الدين قواته بأن يحسنوا معاملة العدو الأسير، واستقبل الأمراء الأسرى في خيمته؛ إلا أن واجه دي شاتيلون بجرائمه التي ارتكبها وأمر بقطع رأسه، وتذهب بعض المصادر إلى أن صلاح الدين قد قطع رأس دي شاتيليون بنفسه، إلا إن مصادر أخرى ترجح أنه قد أمر حراسه بإعدامه؛ كذلك أمر صلاح الدين بإعدام فرسان المعبد وفرسان مشفى القديس حنا بسب جرائمهم التي ارتكبوها في حق المسلمين المستأمنين ومشاركتهم لدي شاتليون في نقض عهد الهدنة؛ وكذلك أعدم المرتزقة التركوبوللي المسلمين الذين قاتلوا إلى جانب الصليبيين.

كان هزيمة الجيش الصليبي في حطين فاتحة الكوارث التي لحقت بالصليبيين وكادت أن تنهي وجودهم في الشام؛ فقادة الصليبيين أضحوا أسرى لدى صلاح الدين في دمشق، وحتى ريمون حاكم طرابلس الذي كان يحظى باحترام الصليبيين حتى فر من المعركة، لقى حتفه بعد المعركة بزمن قصير مريضًا بذات الجنب؛ المدن الصليبية التي أصبحت غير قادرة على المقاومة لافتقارها للجنود، تساقطت الواحدة تلو الأخرى، وقبل انتصاف شهر سبتمبر، كانت عكا ونابلس ويافا وعسقلان وصيدا وبيروت قد سلمت لصلاح الدين. احتشد من تبقى من الصليبيين في بيت المقدس للدفاع عنها، ولكنهم اضطروا للاستسلام في الثاني من أكتوبر.

تحررت القدس … ولكن تلك قصة أخرى.

د. وسام الدين محمد عبد

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.