دين مقالات

الفقيه النصي في مواجهة كل الفقهاء

الفقيه النصي في مواجهة كل الفقهاء

بقلم كرايس الجيلالي – الجزائر

نعرف مفهوم فقهاء السلطان، وهم نوع من المثقفين الذين يشرعنون دينيا كل ممارسات الحاكم، ليس عن طريق النص الديني، بل عن طريق مواقف شخصية واجتهادات غير دينية حولوها الى دين، واصبحوا يوظفونها في التوفيق بين الحاكم في كل ممارساته وبين الدين في كل قدسياته، وهؤلاء ملتصقون بالحاكم، حتى انك لا تكاد تفرق بينهم وبينه في واقعنا، لكن لا احد ينعتهم بفقهاء السلطان، لانهم هم ايضا فقهاء كل التيارات، يشرعنون كل المدارس الفكرية من اقصى اليمين الى اقصى اليسار، يبحثون عن اعذار شرعية لكل ما هو غير شرعي، لديهم عدو واحد، هو الفقيه النصي، الملتزم بالكتاب والسنة، وهو عدو للجميع، وهو فقيه السلطان من وجهة نظر كل التيارات الاخرى، وحتى الحكام يحون الى مثقفيهم ان الفقيه النصي، هو نفسه فقيه السلطان، وهذا خطأ جسيم نقع فيه دوما، وربما الكثير من المثقفين هم في حقيقة الامر، مثقفو السلطان لا اكثر ولا اقل، باحثون عن الاستفادة من الوضع، يعرفون الاسلامين والتكفيريين جيدا، يعرفون كل من اسسوا لثقافة القتل، يحاورونهم يفاوضونهم سيتفيدون منهم ويستفيدون منهم، لكن اصابعهم المتهمة، تتوجه دائما الى الفقيه النصي، الذي لم يجالسوه ولم يحاوروه، ولم يفاوضوه، لأنه يعرفهم جيدا.

هو غير مستعد للمراوغة معهم، ولذلك هم يوجهون كل تمهمهم اليه، رغم انهم متيقنين انه بعيدا تماما عنها، لكن اسلوبهم في المراوغة، يفديهم مع كل اشكال المثقفين المراوغين، لكن الفقيه النصي، غير مستعد لهذه اللعبة، ولذلك هو محل اتهام من طرف الجميع، ومن بينهم المثقف العلماني، وهو مثقف السلطان ومثقف اعداء السلطان، ذلك النوع الذي يريد ان يعيش فقط وان يجد ما يكتب فيه، وان يصنع اعداء وهميين يحاربهم لكنه لا يسعى الى الانتصار عليهم، بل يوجه هدفه نحو المثقف النصي الذي يرفض الانجرار وراء هذه اللعبة.

الفقيه النصي يتبع الكتاب والسنة دون الكثير من النقاش، كل ما دعي الى الحوار، افحمهم بالأدلة النصية التي لا تقبل جدالا ولا تعديلا بزيادة ولا نقصان، هو مستعد ايضا للاجتهاد، لكنه اجتهاد محكوم ومحدود بالنص، ولا يمكن ان يخرج عن اصلوه، اما غيره من المثقفين والفقهاء، فمستعدون للتنقل من الشيوعية الى التكفير الى اللحاد، متصالحون مع كل الفرق والخرفات، ويرفضون التصالح مع النص، والفقيه النصي، لان الاعتراف به هو حكم ببطلان كل ادعاءاتهم، التي تريد ان تساوي بين كلام الله وكلام البشر، وفي كثير من الاحيان تحكم بجمود النص، ورجعية كلام الله، مقارنة بمطارحات الفلاسفة ومنطقهم.

الفقيه النصي متبع، لا يخرج عن الحدود التي رسمها الشرع، خاصة في الاساسيات التي لا تعرف التبديل ولا التحويل مهما تغير الزمان والمكان، فما كان حرام يوم نزل القران هو اليوم حرام ايضا، وهو حرام حتى يرث الله الارض وما عليها، لكن مثقفو السلطان يريدون تشريعات جديدة لا علاقة لها بالنص، ويعتقدون ان النص قد فقد صلاحيته، وانه كان ملائما فقط لمرحة الوحي، ولتلك المرحلة الانتقالية من الجاهلية الى السلام، اما فقهاء السلطان على اختلافهم، فيردون تعطيل النص كمصدر للتشريع، والاحتفاظ فقط بالنص كروحانيات ووجدانيات، وممارسات باطنية واحوال وتقلبات لا يعرفها الا من دخل حالهم ووصل الى ما وصلوا اليه من الوجد والحب وكرامات على حد زعمهم، وهناك فقهاء يريدن الخلط بين الدين وبين اللادين، كأن يمزجون بين التشريع الاسلامي، أي ما بقي منه صالحا على حد زعمهم، وبين التشريعات العلمانية والحداثية، التي يعتقدون انها ارقى من التشريع الاسلامي، وهناك فقهاء رفضوا كل شيء وكفروا المجتمع وحكموا بموت الجميع، وحتى هؤلاء تجد كل المثقفي السلطان وكل فقهائه يعذرونهم، في الكثير من القضايا، حتى وان كانوا يلعنوهم ويختصمون معهم في العلن.

بينما الفقيه النصي، فهو متمسك بالنص يدور حيث ما دار الدليل، فهو ليس بمفرط ولا مفرط، ولا مذبذب بين هؤلاء وهؤلاء، هو متبع غير مبتدع، ولذلك يبغضه الجميع، ويسعى الجميع الى تجريمه والصاق كل التهم به، وهو غير ملتفت اليهم، لأنه يعرف الحق والحق يعرفه.

كل الفقهاء السلطانيين، والكل المثقفين السلطانيين ايضا، ضد الفقيه النصي، لأنه لا يحاججهم بالعقل بل يحاججهم بالنص، فيفحهم ويقضي على مشاكلاتهم، ولذلك يرفضون التواصل معه، ويفضلون مهاجمته فقط.

بقلم كرايس الجيلالي – الجزائر

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
كرايس الجيلالي
كرايس الجيلاي؛ باحث دكتوراه في علم الاجتماع السياسي – جامعة وهران 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.