أدب و تراث ثقافة مقالات

رسالة الشاعرة آلاء القطراوي في تشرين بعد عودتها من دولة الجزائر

رسائل تشرين .. “زيارة الجزائر الشقيق”

 

بقلم/ د. آلاء القطراوي

مساء الثالث من نوفمبر،
وأنا لا أحبُّ أنْ يكونَ يوماً عادياً، ليس لنرجسيّة الشاعر، بل لحبّي الشديد وتعلّقي بذكرياتي الخاصّة.
لقد وُلدتُ مع المطر، وفي ليلِ مخيم البريج الساخن حين فرض الاحتلال حظراً للتجوال كما تخبرني أمّي، تقول: (نُقلتُ في الاسعاف وكانت بجانبي سيّدة مُصابة اسمها غالية السراج، قد ضربها الاحتلال حتى نزفت وغابت عن الوعي وبجانب رأسها ابنتها تبكي بشدّة، وأنا أعاني آلام المخاض، في ليلةٍ طوّق فيها الاحتلال المخيم بمناسبة ذكرى وعد بلفور المشؤوم، وحين أنجبتكِ، سألت عن السيدّة المُصابة فأخبروني بأنّها استشهدت). 
إنَّ لحظة الولادة بالنسبة لكلّ إنسان هي لحظة كونيّة، لحظة يتجلّى فيها قدركَ واضحاً، فتكاد تبصرُ الغيب حينها، إن الزمان والمكان وكلّ دقيقة ترافقك هي مرادفك الأبديّ في الحياة، لقد وُلدتُ في اللحظة التي استشهد فيها آخرونَ كُثُر، كعادة هذا الوطن وهو يزاوج الفرح والحزن، ويعضّ على شفتيه حابساً محيطاً من الدموع في شرفةِ عينيه.
لقد أصبحتُ في التاسعة والعشرين من عمري، ولا أشعرُ بالحزن، كنتُ أقرأ منشوراتي السابقة التي كنت أكتبها كل عام في يوم ميلادي لنفسي، حيث إنني لا أتوانى عن الشعور بالحزن لأنني كبرت عاماً إضافياً، كعادة كل النساء وهنَّ يرغبن بالتوقف عند الثانية والعشرين للأبد !
إلا أنني أكتب هذا المنشور بينما الرضا والسكينة تغمرانني.
أمرٌ واحدٌ فقط يستحقُّ الحزن، هو أنْ أنظر إلى التقويم ثمَّ أنظرَ إليّ فلا أشبهني، وهذا ما لم يحدث، إنني فخورة لأنني لم أسمح لذئب الحياة أن يفترسَ جموحي العظيم.


لازالت دموع تلك المرأة الجزائرية تلاحقني، حينما وقفت خلفها في المطار لتسليم الحقائب، سألتني: من أين ؟ قلت: فلسطين، فبكت بحرارة واعتذرت منّي أنّها تتقدم عليّ في الطابور وطلبت منّي أن أتقدم عليها .. فرّت من عينيَ دمعتان مسحتهما سريعاً على استحياء، فمنذ أكثر من ثمانين عاماً وفلسطين وحيدة جداً، وكلّما ازدادت سنوات الاحتلال اشتدّت وحدتها، لذلك نفرح حين نسمع هتافاً جزائرياً في ملاعب كرة القدم باسمها ولذلك فرحنا حين خرج الرئيس التونسي الجديد يخبرنا أن التعامل مع الاحتلال خيانة عظمى ولذلك فرحنا حين رفع أبو تريكة قميصه الأبيض والمكتوب عليه: ارفعوا الحصار عن غزة


ولذلك فرحت وأنا أسمع السائق الجزائري يهتف أمامي بعد أن عرف أني فلسطينية بلهجته الجميلة (فلسطين، الجزائر “خوا، خوا ” ) لازالت حرارةُ قبضات النساء والأطفال في يدي، والتماع عيون الجزائريين عميقة في قلبي، نعم لذلك فرحت، فرحت حين نزلت عن منصة الشعر في طنطا فجاءني شاعر مصري يشكرني، ويخبرني إن صوت درويش لم يزل باقٍ، إنّها فلسطين التي لن تتغير، فلسطين المختلفة !

أثناء عودتي قبل أيامِ قليلة في رحلة سفر برية شاقّة من القاهرة إلى قطاع غزّة، توقفت السيارة عند أحد الكمائن للتفتيش، كان الطابور طويلاً جدا، طويلاً كسنوات الاحتلال الطويلة، وطابور اللاجئين وهم يستلمون الكوبونة، طويلاً كطوابير رواتب أسر الشهداء الزهيدة، كأسماء الشهداء والجرحى والأسرى.. طويلاً جداً.
نظرت في حقيبتي فوجدت ديوان شعر لدرويش، بدأتُ أقرأ في لحظةِ انتظارٍ قَلِقَة، ولم أنتبه أنّ صوتي كان مرتفعاً:

وَنَحْنُ نُحِبُّ الحَيَاةَ إذَا مَا اسْتَطَعْنَا إِلَيْهَا سَبِيلاَ
وَنَرْقُصُ بَيْنَ شَهِيدْينِ نَرْفَعُ مِئْذَنَةً لِلْبَنَفْسَجِ بَيْنَهُمَا أَوْ نَخِيلاَ
نُحِبُّ الحَيَاةَ إِذَا مَا اسْتَطَعْنَا إِلَيْهَا سَبِيلاَ
وَنَسْرِقُ مِنْ دُودَةِ القَزِّ خَيْطاً لِنَبْنِي سَمَاءً لَنَا وَنُسَيِّجَ هَذَا الرَّحِيلاَ
وَنَفْتَحُ بَابَ الحَدِيقَةِ كَيْ يَخْرُجَ اليَاسَمِينُ إِلَى الطُّرُقَاتِ نَهَاراً جَمِيلاَ
نُحِبُّ الحَيَاةَ إِذَا مَا اسْتَطَعْنَا إِلَيْهَا سَبِيلاَ

وحين انتهيت، وجدت جميع مَنْ حولي يصغون لي وقد أخذت عيونهم تلتمعُ رغم التعب، ووجدتني أكثر قوّة وصبراً وثباتاً، فعرفت أنّ الطريق إلى غزّة ليست أجمل من غزّة، وأنّ غزّة ليست أجمل من الطريق إليها، هنالك سِحر في كلّ شيء يقودنا لفلسطين، شيءٌ مقدس أو ربّما لعنة مقدسة، تجعلنا نحبها رغم كل هذه المأساة العظيمة !
وكلّ عام وأنا أتنفس هواء فلسطين ولو كنت في آخرِ الدنيا.

وكلّ عام وأنا أستشعرُ كنفَ الله وقربه ورعايته، فيهون الطريق الوَعِر، وتسهل المعاناة، وتصبح النارُ باردة.

 

Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.