اجتماع مختارات مقالات

الشخصيات الاسفيرية (الشخفيرية)

الشخصيات الاسفيرية (الشخفيرية)

بقلم : عبد الرحمن عبد الله – الولايات المتحدة

اعكف منذ فترة على قراءة كتاب The Square and Tower “الشبكات والسلطة: من الماسونيين الاحرار الى الفيسبوك” للبروفيسور الانجليزي نيل فيرغسون، استاذ التاريخ في عدد من الجامعات العالمية (هارفارد، ستنافارد، اكسفورد،..).

تأتي اهمية الكتاب من كونه اول محاولة اكاديمية جادة لتتبع العلاقة بين السلطة الهرمية والقوة الشبكية والتغير الجذري الذي احدثته التكنلوجيا في مفهوم القوة وتوزيعها بين فئات المجتمع. ففي الماضي كانت القوة هرمية، متمركزة في يد السلطة (الحكومة)، ولم يكن للمجتمع من بد سوى التسليم للحاكم والرضوخ له. حتى المكونات الاجتماعية التي كانت تمتلك قدرا من الهيمنة الاجتماعية النسبية (مثل الزعامات القبلية ومشايخ الطرق الصوفية) لم تتردد في الاذعان الى الحاكم بل والتودد اليه في كثير من الاحيان.

اما في عالم اليوم، فان الامر لم يعد كما كان. فقد أعادت التكنولوجيا توزيع القوة، فاضعفت مستواها الهرمي واعطت المستوى الشبكي زخما وافرا. ولتبسيط هذا المفهوم، دعونا نطبق النظرية على الحالة السودانية، في سودان ما بعد الثوره:

١. لم يعد لرأس السلطة (على المستوى السيادي او التنفيذي او المدني او العسكري) نفس القوة والمنعة والحصانة التي كان يتمتع بها الحكام السابقون. ليس ادل على هذا من المحاولات المستميتة في التودد الى الثوار وخطب ودهم(بل والانحدار بمستوى الخطاب الرسمي عبر استخدام لغتهم ومصطلحاتهم).

٢. ظهور عدد من الشخصيات الاسفيرية التي ليس لها سابقة معرفة بالسياسة ودروبها، والفكر وضروبه. هذه الشخصيات على بساطتها وخوائها، وسذاجتها، الا انها نجحت في استخدام السوشيال ميديا لاستقطاب عدد ضخم من المعجبين والمريدين. ثم ان الفضاء المفتوح الذي توفره شبكات التواصل الاجتماعي سمح لهذه الشخصيات الاسفيرية (والتي قدح في ذهني تسميتها بال “شخفيرية”) بمزاحمة اهل الرأي والسياسة ، بل وتجاوزهم تماما (ذو النون، الضي، دسيس،…)، الامر الذي اعطاهم قوة ناعمة وسيطرة على القواعد.

من الملاحظات القيمية التي وردت في الكتاب، ان شبكات التواصل الاجتماعي عززت من حالة الاستقطاب polarization في المجتمع، فقد وفرت وسائل للتواصل بين اصحاب الرأي المشترك، فكانت النتيجة انكفاء الناشطين على انفسهم وزهدهم وإستغنائهم عن اهل الرأي المخالف.

في دراسة حديثة، وجد ان احتمال اعادة نشر التغريدة التي تحمل رسالة سياسية او محتوى فكري يتجاوز ال ٢٠٪؜. اما اذا صدرت هذه التغريدة عن احد نجوم السوشيال ميديا (تراجي مصطفى او الجبوري) فإن احتمال اعادة نشرها قد يفوق ال ٥٠٪؜.

الدراسة وجدت ايضا ان اغلب التغريدات يتم تداولها بين اصحاب الرأي الواحد، وان القليل فقط من تلك التغريدات تجد طريقها الى اعضاء المعسكر الاخر (انظر الى الرسم البياني والمرفق). هذه الملاحظة تعبر عن الحالة السودانية بإمتياز، فقد اختارت نخبنا السياسية والاجتماعية دور المنالوج (وهو الحوار الاحادي الذي لا يحتاج وجود طرف آخر).

كنت مندهشا لسرعة انتشار التغريدات والشائعات والشعارات والمصطلحات الحديثة وسط الناشطين والمغردين في السودان، لكن كتاب فيرغسون نبهني الى ان هذه جائحة عامة، اصابت كل المجتمعات على حد السواء.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
عبدالرحمن عبدالله
كاتب وباحث سوداني مقيم في الولايات المتحدة الأمريكية، ومتخصص في قضايا السياسة والاقتصاد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.