مجتمع مختارات مقالات

البروفيسور المرهج يكتب عن العزلة في زمن كورونا

العزلة في زمن الكورونا

بقلم/ ا.د. علي المرهج – العراق

من مآثر (كورونا) هي (العزلة) التي كُنّا لا نرتضيها ولا نقبل بها كثيراً في فضاء مفتوح واتصال اجتماعي مستمر، فللعزلة قيمة أخلاقية ومعرفية لا ينكرها عاقل، فمن فوائدها أنك تُحسن الصلة مع نفسك ومع الآخرين من أهلك وصحبك، فالعزلة في (زمن الكورونا) عود على بدء، فهي عود لحياة نَحِنُ إليهاا، ولكن بحكم التحول والتغيّر لم نكن نَحنُ من نختار مقدار التواصل من عدمه مع من نُحب، ولكننا في (زمن الكورونا) صرنا مجبرين على أن نكون بمعية من نُحب من أفراد عوائلنا، أو من لا نُحب، فذلك قَدرٌ كتبه علينا وجودنا في البيت، لندعو من نُحب ومن لا نُحب بدعوى مستساغة عندنا ألا وهي (خليك بالبيت).

ثق أنك في العزلة ستكتشف نفسك من جديد، وأظن أنك ستستطيع تحسين وجودك في أسرتك إن تمكنت من قبول وجودك في جغرافية محدودة.

استعد ما أجٍلْته من مشاريع عمل فكرية وحياتية قبل أن تحف بنا (الكورونا) لتجد أن الزمن المتبقي غير كاف لانقضاء مشاريعك العملية أو الفكرية.

ربما في حساب زمن العزلة ستجد من يفرح بها من بني البشر، وآخرون سيعتقدون أن فيها قهر وقمع للحرية.

معنى الحرية مختلف بين فرد وفرد، فبعضنا يجد أن في الحرية فضاء متاح للرفض أو القبول لآخر، وغيرنا يجد في الحرية أنك كفرد تستطيع أن تختار حياتك بنفسك من دون آخر!.

أظن أن العزلة لمن نسميهم (الأنطوائيوين) هي خيارهم وما يرتجون!.

وقد سألت صديقاً لي كيف حالك في (زمن الكورونا)؟، فقال لي أنني في أحسن حال، لأن حالي السابق لم يكن بغير ما أنا عليه في (زمن الكورونا).

أقول لمن يحسب أن (الكورونا) مُقيدة له، أن هناك من بني البشر مَنْ كانت (العزلة) عالمهم، ويفرحون بها، ولا يشعرون بوجود تغيير في العالم، بقدر ما يشعرون أن في هذا العالم من يحتاج لصدمات كي يعي مقدار ما تُقدمه له (العُزلة) من عود إلى الذات، خارج تأثير الآخرين المنافسين أو الحاقدين.

في (العزلة) (الإيجابية) التي يختارها الشخص بمحض إرادته، تتجلى الذات في وجودها الحقيقي، لتكتشف أن في (الفردانية) ما يُشعرنا بأن في الوحدة (مسكوت عنه) أو (ضامر) يُحدثنا ونستجيب له، فيجعلنا نختار مفردات من الحياة نجعلها محفزات لوجودنا الذاتي، مثل الموسيقى، والشعر، أو الغناء، التي تُجدد الحياة وإن كان صاحبها مختاراً للعزلة.

أن تكون حراً، فهذا يعني أنك تستطيع أن تختار زمن عزلتك، ففي اختيارك للعزلة وقدرتك على أن تصطفيها أنسٌ لك، وهذا يعني أنك اخترت خير جليس، فكما يُقال (خير جليس في الزمان كتابُ).. أستطيع القول أن خير جليس في الحياة (عزلة) ترتضيها، فباعتزالك للناس استرجاع لتاريخ تكوينك المعرفي والوجودي والأخلاقي، ومن يستطيع اختيار (العزلة) بوصفها من مواطن الحكمة عند الحكماء والفلاسفة والصوفية، فقد تمكن من قهر الغريزة في نفسه، ليختار أن تكون العزلة عنده رديفة الغنى، فيكون غنياً بوجوده بذاته مؤثراً في الآخرين.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
علي المرهج
الأستاذ الدكتور علي عبدالهادي المرهج؛ أستاذ الفلسفة والفكر العربي بقسم الفلسفة في كلية الآداب/الجامعة المستنصرية - العراق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.