أدب و تراث عروض كتب مقالات

العصفورية

قراءة وعرض رواية العصفورية

للكاتب غازي عبد الرحمن القصيبي

بقلم: نجوى الجزائري

وَيْكَأَنَّه لا يفلحُ إلاَ المَجنُون !!!

جاء في كتاب “موجز تاريخ الجنون” “لروي بورت” نقلاً عن أحدِ المجانين (نَحنُ المجانِين نمتلكُ حريةَ التعبيرِ عما يعتملُ في أنفسنا فيقولُ المرءُ ما يشاءُ دونَ أن يسائله أحدْ) فهل يلجأُ العربيُ للجنونِ حتى يعبرَ بحرية عن رأيهِ و أفكاره ؟!! أم لا تجري الحكمةُ إلاَ على لسانهِ؟!!

(دار الساقي - لوحة الغلاف بيكاسو بعنوان الاستديو بريشة فارس غازي القصيبي).
(دار الساقي – لوحة الغلاف بيكاسو بعنوان الاستديو بريشة فارس غازي القصيبي).

العصفورية رواية خيالية، مشبعة بالرموز بأسلوب أدبي هزلي ساحر ، صفّ خلالها القصيبي معلومات كثيرة ليست مستفيضة أكيد لكنها من الأهمية ما جمعت قرابة مئة شخصية أدبية ،سياسية وفنية، وسلطت الضوء على الصراع والنزاع الذي يعيشه العربستاني في وطنه.

 

غازي عبد الرحمن القصيبي، (2 مارس 1940 – 15 أغسطس 2010) شاعر وأديب وسفير دبلوماسي ووزير سعودي، حصل على درجة البكالوريوس من كلية الحقوق في جامعة القاهرة، ثم حصل على درجة الماجستير في العلاقات الدولية من جامعة جنوب كاليفورنيا التي لم يكن يريد الدراسة بها، بل كان يريد دراسة القانون الدولي في جامعات أخرى من جامعات أمريكا، وبالفعل حصل على عدد من القبولات في جامعات عدة ولكن لمرض أخيه نبيل اضطر إلى الانتقال إلى جواره والدراسة في جنوب كاليفورنيا وبالتحديد في لوس أنجلوس ولم يجد التخصص المطلوب فيها فاضطر إلى دراسة العلاقات الدولية أما الدكتوراة ففي العلاقات الدولية من جامعة لندن والتي كانت رسالته فيها حول اليمن كما أوضح ذلك في كتابه حياة في الإدارة.

تولى القصيبي مناصب عدة منها أستاذ مساعد ، مستشار قانوني في مكاتب استشارية، فسفير السعودية لدى البحرين ثم لدى بريطانيا ، كما مُنح عدة أوسمة من دول عربية وغير عربية، و لديه اهتمامات اجتماعية مثل عضويته في جمعية الأطفال المعوقين السعودية حيث كان أحد مؤسسيها وكان عضواً فعالاً في مجالس وهيئات حكومية، وصاحب فكرة تأسيس جمعية الأطفال المعاقين بالمملكة العربية السعودية بالإضافة إلى ذلك كله فهو شاعر و أديب و يعتبر من الشعراء المجددين.

تدور أحداث رواية ” العصفورية ” في العصفورية أيضاً (مستشفى الأمراض النفسية) بطلها البروفسور “بشار الغول” حيث يدخل البروفيسور في كل مرةً يتعرض فيها إلى انهيار عصبي أو صدمة عاطفية مصحة نفسية جديدة، في جلسة علاجية من التفريغ و الكلام مع طبيبه النفسي الجديد النطاسي “الدكتور سمير ثابت” و في حوار طويل وطويل جدا يغلب عليه القالب الساخر والتهكمي، يروي البروفسور تفاصيل حياته وتطور حالته الصحية لطبيبه الدكتور ثابت، ليقبع القصيبي خلف بروفسوره المجنون، وينطق على لسان هذا المجنون الحكيم ما لا يجرؤ العربستاني على قوله على الملأ خوفاً من الرقابة المتعددة في عربستان.

 

لماذا العصفورية؟

“عالعصفورية عالعصفورية وصَّلني بإيده وما طلّ عليِّ / عالعصفورية عالعصفورية وصَّلني بإيده عالعصفورية …” نتيجة لألم الخيانة، خيانة المرأة، الوطن، أو الحياة، كان مصير البروفسور (بشار الغول) مشفى المجانين “العصفورية”.

في الواقع كلمة “عصفورية” لا ترتبط بالعصافير ولم تطلق هذه التسمية لأن الطيور تغرّد على ليلاها كما يعتقد البعض، حيث أن التسمية الفعلية تعود لاسم منطقة لبنانية تقع بجوار الحازمية، عُرفت بأشجارها الكثيرة وعصافيرها المتنوعة، فإذا كان شرح العُصْفورِيَّة في لسان العرب يعني: جنس زهر من فصيلة الجُرسيَّات، لها نَوْرٌ يشبه صِغارَ العصافير الذبابيَّة فما هو المعنى الاصطلاحي لها ؟

في العودة إلى تاريخ “العصفورية”، فهي “اسم لازمَ مستشفى الأمراض النفسية في منطقة الحازمية منذ زمن بعيد، حتى أن هذه التسمية لم تخلُ في استخدامها من قِبل العامة، إما للإساءة وإما للمزاح، دون الأخذ بالأبعاد الإنسانية والأخلاقية للمكان وللدور الريادي الإستشفائي الفريد الذي كان يؤدّيه ليس على صعيد لبنان فقط، إنما على صعيد المنطقة بأسرها.

الحلم العربي:

يحلم الشباب العربستاني الذي تابع دراسته العاليا في البلاد الغربية (أمريكا) بالعودة للوطن متسلحاً هذه المرة بالعلم والثقافة والأفكار البناءة، يحلم بقيادة أمته إلى التفوق، هذا الجيل سيهزم إسرائيل لأنه سيهاجمها بأسلحتها الإعلام والتكنولوجيا (كنا جميعا نحلم بولايات عربية متحدة مثل الولايات المتحدة الأمريكية، نريد أن نسافر عبر الأمة العربية فلا يصدنا جمرك ولا يعترض طريقنا مخفر ، كنا نقول فعلها الأمريكان فلماذا لا نفعلها نحن ؟! كنا نحلم … كنا نحلم بمجتمع يحفظ للإنسان العربي كرامته، مجتمع لا يجرجرونك فيه إلى القسم بلا سبب و لا يحتجزونك بلا تهمة ولا يعتقلونك بدون أمر قضائي … لم نكن نحمل ديننا سوطا نجلد به أنفسنا والآخرين، كنا نحمله إيماناً فطريا صادقاً حبا للخالق وتعاطفاً مع مخلوقاته ) لكن يحدث أن يصابَ هذا العربستاني بعقدة الخواجة، بالنسبة للبروفسور كل الأدباء العرب عاشوا عقدة الخواجة حيث يعدد القصيبي على لسان البروفيسور عدداً من الشعراء والأدباء العرب، رفاعة الطهطاوي، أمير الشعراء (البرنس) أحمد شوقي، طه حسين، المنفلوطي، نزار قباني، جبران خليل جبران… ، حتى البروفيسور يعاني من عقدة الخواجة ويستخدم مصطلح “أصدقائي الأمريكان” كما يستعمل في حديثه مع الدكتور ثابت لغتهم باستمرار خلال الحوار، ولزيادة السخربة كتبت الإنجليزية بالحروف العربية مما يصعب على القارئ في بعض الأحيان فك شيفرة اللغة والمعنى، يستهزئ البروفيسور أيضا بمجمع السدنة الخالدين، هذا المجمع الذي يهتم بترجمة أسماء المستخرعات الحديثة (عفوا المخترعات الحديثة) في تهكم واضح أن الغرب ينتج و العربستاني يستهلك ويحتار في ترجمة اسم الآلة المخترعة.

لا تكن نرڨوزا و لا نزڨازا و لا نرڨيزا ! جملة مضحكة استخدمها البروفيسور طيلة حواره مع النطاسي في محاولات استفزازية وفي استهزاء واضح من علم النفس ومن رائده فرويد، يعود القصيبي لطرح إشكالية الخيار البديل فيقول (لماذا تسمون الشذوذ الجنسي الآن؟ الخيار الجنسي البديل، فلان ليس لصا إنه يمارس الخيار الاقتصادي البديل، وفلان ليس كذاباً إنه يمارس الخيار اللغوي البديل، و فلان ليس سميناً إنه يؤمن بالخيار البدني البديل). تشهد عربستان في نظر البروفسور خلطاً هائلاً في المصطلحات، فيختلف العربستانيون حتى عندما يتفقون، يخلطون بين المقولة والنظرية والقانون، النظرية عند القصيبي هي المقولة التي تقبل النفي وتقبل الإثبات، الكثيرون يعتقدون أن النظريات العلمية لا تقبل النقاش والعكس هو الصحيح، إذا جربت النظرية مليون مرة وضبطت تحولت إلى قانون، والقوانين قليلة، والنظريات كثيرة والقوانين لا تتغير والنظريات تتغير كل يوم.

– تكسر رواية العصفورية القالب التقليدي للروايات، وإن كانت احتفظت نوعا ما بأركانها، وهذا ما أعطى للقصيبي حرية مطلقة في التعبير والسخرية مما آل اليه واقع العربستاني، فمن خلال السرد المتقطع للأحداث الذي يقوم على عدم الإلتزام بالتتبع المنطقي لوقوعها، يسرد لنا القصيبي حياة البروفيسور بتقدبمه للحكاية من آخر حدث عرفته و هو تواجد هذا الأخير في العصفورية وفي مشهد واحد هو لقاؤه مع الدكتور سمير ثابت، معتمدًا في ذلك على تقنية الحذف والاسترجاع والتلخيص والوصف في حوار طويل جدا استغرق زمن الرواية بين البروفيسور (بشار الغول) و النطاسي (الدكتور سمير ثابت)، في رواية الصوت الواحد أو الرواية المونولوجية، تشبه رواية العصفورية مشهداً واحداً أو فصلاً واحداً في مسرحية مسلية، عرض القصيبي خلالها أفكاره، رؤيته، وكثيراً من معلوماته الوفيرة جدا من بنك الرجل ومخزونه المعرفي (أكثر من مئة شخصية علمية، أدبية، سياسية وردت بالرواية) و بهذا ربما يلتقي القصيبي، في هذه الرواية، مع أبو العلاء المعري في رسالته الغفران و يتمثل وجه الشبه في سعة اطلاع القصيبي ومعرفته وثقافته في نواحٍ عدة منها: الأدب، السياسة ، علم النفس، المفردات اللغوية… فكانت الرواية غنية جدا بأسماء أشهر الأدباء والسياسين و الفنانين، صاحَبَه في ذلك صديقه الذي يظهر تعلق القصيبي به، أبو حسيد (المتنبي) كما أسماه، كما تعالج الرواية تناقضات و قضايا عدة تعرفها جل البلدان العربية ، كالبيقروقراطية و الديموقراطية ، الخيانة و حب الوطن ، الانقلابات العسكرية و العمالة لإسرائيل.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.