فكر مقالات

من بيكون إلى بيكون

من بيكون إلى بيكون

بقلم: علي حسين

بالامس وانا اتصفح مواقع الصحف العربية اثار اهتمامي خبر نشرته صحيفة اليوم السابع المصرية يقول ان لوحة ثلاثية للفنان البريطانى فرانسيس بيكون، بيعت في فى مزاد عبر الإنترنت، بـ 85 مليون دولار، وقد بيعت اللوحة بعد عشر دقائق فقط من فتح المزاد ، واللوحة التي حققت كل هذه الملايين استوحاها الرسام من مسرحية اسخيلوس التراجيدية ” أوريستيا “، ولم تكن هذه هي اللوحة الاولى لبيكون التي تحقق هذا الرقم المليوني فسبق ان بيعت احدى لوحاته ى مقابل 142 مليون دولار عام 2013 .. وما اثار اهتمامي بالخبر ان الصحيفة التبس عليها الأمر فوضعت مع الخبر صورة الفيلسوف الانكليزي فرانسيس بيكون بدلا من صورة الرسام فرانسيس بيكون ..

وقد احالني الخبر الى الورطة ، تورطت بها ذات يوم في بداية الثمانينيات عندما اشتريت كتاب من سلسلة الكتب التي كانت تصدر عن الرساميين العالميين، وقد اثارني العنوان ” Francis Baco ” ظنا مني ان هذه اللوحات رسمها الفيلسوف الانكليزي الشهير فرانسيس بيكون ” ، والذي اشيع انه الكاتب الحقيقي لمسرحيات شكسبير ، وانه تخفى وراء شخصية وليام شكسبير ، وقد صدرت عددا من الكتب تؤيد هذه النظرية ابرزها كتاب إجناتيوس دونيللي الذي صدر عام 1888 بعنوان ” شفرة فرانسيس بيكون ” وجاء فيه ان ” هذه المسرحيات هي من بنات أفكار فرانسيس بيكون محفوظة للعالم ” ثم صدر عام 1910 كتاب بعنوان ” بيكون هو شكسبير ” كتبته جوناثان بيت ، والذي تقول فيه ان ثمة بطلا خارقا هو الذي كتب مسرحيات شكسبير ، ولم يكن هناك عقلا خارقا في ذلك الزمن يجاري عقل فرانسيس بيكون على حد تعبير الكاتبة .. في كتابه ” شكسبير .. ذاكرة الانسانية ” يسخر الناقد الشهير هارولد بلوم ” من هذه الخرافات فيكتب ان :” مؤلف هاملت وعطيل والملك لير ومكبث ، ما كان ينبغي ان يكون كاتبا دنيويا ، بل هو المنافس للانجيل والتوراة ” ان قدرة شكسبير على الاقتناع قدرة هائلة لانه الاغنى ” ، وتشاء الصدف ان التقي في نفس يوم شراء كتاب “Francis Baco ” بالصديق الشاعر والكاتب المتميز عبد الرحمن طهمازي ، والذي كان احد زبائن المكتبة وارتبطت معه بصداقة التلميذ للاستاذ ، فما ان جلس ” ابو عوف ” وهو المعروف بعشقه للفن التشكيلي حتى اخرجت الكتاب وعرضته امامه ، اخذ يتفحص فيه ويهز راسه هزة خفيفية كعادته ، وحين اخبرته انني اشتريت الكتاب ظنا مني انه للفيلسوف الانكليزي فرانسيس بيكون ، ابتسم ابتسامة خفيفية ثم خلع نظارته وهو يقول لي : هذا الرسام ايضا فيلسوف ولا يقل اهمية عن فرانسيس بيكون الفيسوف التجريبي ، ثم اخذ طهمازي يتحدث بصوت خافت لاعرف منه ان هذا الرسام تنقل بين الماركسية والعدمية وانه كان مغرما بالاساطير اليونانية وحاول ان يجسد ابطال المسرحي الاغريقي الشهير ” اسخيلوس ” في لوحات تعبر عن عذابات الانسان مع الحروب ، وانه رسم ذات يوم لوحات اطلق عليها اسم رؤوس ، وفي واحدة منها قام برسم بابا الفاتيكان يصرخ في قفص زجاجي ، وكان بيكون يدين موقف الفاتيكان تجاه النازيين ، حيث اراد ان يقول ان كل هذا الدين ومعه الصلوات والخوف من الجحيم لم تنجح في جعل البشرية تتخلى عن وجشيتها .

منذ لحظة ولادته في الثاني والعشرين من كانون الأول عام 1561 حدد له والده السير نيكولاس بيكون حامل أختام الملكة اليزابيث الأولى مستقبله : العمل في السياسة يكتب فرنسيس بيكون :”إن مولدي ونشأتي وثقافتي كانت كلها تشير الى الطريق الذي ينبغي أن أسلكه – السياسة، لا الفلسفة، فكنت وكأنني رضعت السياسة في طفولتي”إلا أن هذا الشاب المغرم بحياة البلاط والمحب للمغامرات وحياة الترف كانت تنتزعه رغبة أخرى هي الاشتغال بالفلسفة.. وكان في كثير من الأحيان يبدو متردداً أيهما يؤثر السياسة بكل منافعها أم الفلسفة بكل متاعبها :”كنت أعتقد إنني ولِدت للقيام بخدمة البشرية.. ولذلك أخذت أسأل نفسي : كيف يمكنني أن أُفيد البشرية أكثر مما يمكن، فوجدت أن لدي استعدادا خاصاً بطبيعتي لتأمل الحقيقة.. لكنه وبسبب ضغط الظروف التي مرّ بها بعد وفاة والده عام 1579 يختار العمل في السياسة فيضطر الى ترك كليته للقبول بمنصب دبلوماسي في السفارة الانكليزية في باريس، ولم تجلب له السياسة سوى الخصوم والمواقف الانتهازية والتي أدت واحدة منها الى اعدام أقرب اصدقائه الايرل اسكس الذي اتهم بالخيانة العظمى، وقد اختارت الملكة اليزابيث، فرنسيس بيكون بمنصب المدعي العام الذي قدم الادلة على خيانة صديقه، الأمر الذي جعل بيكون يشعر بالخزي والأسى فيكتب :”إن طموحي أشبه ما يكون بالشمس التي تنفذ من خلالها النجاسة والدنس، وبالرغم من ذلك تظل نقية كما كانت من قبل”.. وبسبب مواقفه السياسية وعمله في القضاء حيث أكمل دراسة القانون في كمبريدج أصبح بيكون شخصية شهيرة وغنية وحصد المناصب الكبيرة، مدعي عام المملكة، النائب العام وأخيراً تبوأ أعلى منصب قضائي في انكلترا وهو رئيس القضاة.

إلا أن الأمور لم تجرِ بما يشتهي فالخصوم كانوا يتحينون الفرص للايقاع به، وفي احتفال أقامه بمناسبة بلوغه الستين عاماً وهو يشرب نخب”شرف رعايا الملك وأسعدهم حظاً”وصلت الى قصره كتيبة من الفرسان ومعها أمر بإلقاء القبض عليه بتهمة تقاضيه الرشوة.. حيث أودع في سجن برج لندن ولم تنفع رسائل الشكوى التي قدمها للملك جيميس بالعفو عنه، حيث أصدر القضاة قراراً بان يدفع غرامة قدرها أربعون ألف جنيه لتنتهي مرحلة سجنه، ويقرر أن يعتزل الناس ليعيش في الريف آخر سني حياته متفرغاً لمعشوقته الفلسفة التي سرقتها منه السياسة وألاعيبها.. كان بيكون قد نشر عام 1605 أول مؤلفاته وهو كتاب”المقالات”، بعدها بعام نشر كتاب عن حكمة القدماء إلا أن عمله في السياسة لم يمنحه الفرصة لإكمال مشروعه الفلسفي فجاءت مرحلة العزلة ليكتب خلالها مؤلفاته الرئيسة كتاب”الاصلاح العظيم”الذي صدر الجزء الأول منه عام 1923 أما الجزء الثاني فقد ظهر بعنوان مختلف”الارغانون الجديد”

بعدها نشر أجزاء من مؤلفه التاريخ الطبيعي والتجريبي لتأسيس الفلسفة”وكتاب غاية الغابات”وأخيراً كتابه”أطلانطا الجديدة وهو محاكاة ليوتيبيا توماس مور.

في معظم مؤلفاته حاول بيكون أن يعيد تقويم الفلسفة اليونانية، حيث وجد إن العيب الاساس في طريقة تفكير فلاسفة اليونان والعصور الوسطى هو الاعتقاد بان العقل النظري وحده كفيل بالوصول الى العلم، وأصرّ على الوقوف بوجه الفكرة التي تحتقر التجربة، ويشبه مؤرخو الفلسفة الدور الذي لعبه فرنسيس بيكون في الفلسفة بالدور الفعال الذي قدمه مارتن لوثر في حركة الاصلاح الديني فمثلما كان لوثر ومعه أصحاب الدعوة الإصلاحية يؤمنون أن غاية الدين أن يكون الفرد إنساناً صالح النوايا، وهو ليس بحاجة إلى سلطة يأخذ بتفسيراتها للدين، فإن بيكون كان يرى أن تحقيق غاية العلم هو أن يبدً الإنسان وكانه طفل بريء ن وأن يتحرر من كل سلطة مفروضة على ذهنه، وأن يستخدم عقله ويضع لنفسه منهجاً صحيحاً، وبذلك يصل الى الحقيقة دون معونة من آراء القدماء.

وكما نادى لوثر بأن لاجدوى منها في الوصول الى الخلاص، فكذلك حاول بيكون أن يثبت في فلسفته التنويرية، أن حكمة القدماء وفلسفتهم اللفظية لا جدوى منها في الوصول الى الحقيقة وإنما هي عقبات تجعلنا نكتفي بمواجهة الالفاظ بدلاً من أن نواجه الطبيعة والأشياء بشكل مباشر.فمزيداً من نور المعرفة يهدينا إلى عقيدة فلسفية.. ولهذا يعلن بيكون من مكان عزلته : “فلتعقل حتى يمكنك أن تعتقد”ونجده يستهدف في فلسفته تضييق مجال الظن ليتسع مجال اليقين :”إن المعرفة وحدها هي التي تطهّر العقل من كل الشوائب”، ونجده يكرس سنواته الأخيرة لفكرة واحدة وهي إن المعرفة ينبغي أن تثمر، وإن العلم ينبغي أن يكون قابلاً للتطبيق في كل مجالات الحياة، وإن على الإنسان أن يضع أمامه هدفاً واحداً وهو أن يجعل من تغيير ظروف الحياة وتحسينها وتغييرها واجباً مقدساً.. ولهذا نجد صرخته العظيمة من أن العلم الذي يذهب ويختفي دون أن تتغير معه حياة الناس ليس علماً، والعلم الذي هو مجرد تكديس أفكار ونظريات مجردة دون أن ينعكس تاثيرها على أحوال الإنسان ليس علماً.. ولهذا وجد بيكون إن العلم الذي يدرس في الجامعات ليس علماً، ولا بد من ثورة شاملة تحدد وظيفة هذا العلم وعلاقته بما حوله.ووجد بيكون إن الطريق الى العلم الصحيح يكمن في التجربة العلمية ولهذا أخذ بنفسه يقوم ببعض التجارب كالتبريد الصناعي وتلقيح النباتات لإنتاج أنواع مختلفة جديدة، ورسم خرائط لاختراع سفن تسير تحت الماء، وأخرى لمركبة تطير في الهواء.

وقد كانت خاتمة حياته مرتبطة بشغفه بالتجارب العلمية، ففي أحد أيام شهر آذار من عام 1626 وبينما كان مسافراً في الريف الانكليزي أخذ يفكر في طريقة جديدة يمكن بها حفظ اللحوم من التعفن، فنزل من عربته واشترى دجاجة ذبحها ثم ملأها بحشوة من الثلج، وما إن فرغ من التجربة حتى أصيب بنزلة برد حادة تطوّرت الى التهاب بالرئتين لم يمهله طويلاً.. وكانت وصيته أن يدفن في نوع من الكتمان :”إنني مودع روحي بين يدي الله، أما اسمي فإنني باعث به الى سائر الأمم والعصور”ويقول فولتير إن بيكون كان بإمكانه أن يكتب على شاهدة قبره”لتكن أفكاري حجر الزاوية في بناء عالم جديد مليء بالنور” .

في نهاية السبعينيات كنت شغوفا بكتب الفن التشكيلي ، وكان المنجم الذي احصل منه على مثل هذه الكتب مكتبة دار الكتب القديمة التي تقع في شارع الرشيد ، حيث اتخذت لها مكانا في الطالق الاول من احدى البيانات . كان صاحبها ” ابو يعقوب “انسانا ودودا عندما يتعلق الامر بشراء كتاب ، لكنه يتحول الى القطعة من الوسواس، عندما تخرج من احدى غرف المكتبة خالي اليدين ، وخصوصا اذا كنت شابا تقرأ في الوجودية والعبثية ، حيث لا يمنعك وازع اخلاقي من ان تسرق كتابا او اكثر من مكتبة ابو يعقوب الغنية بالعناوين ، وعندما اكتشفت ” فراسيس بيكون ” الرسام وامعنت النظر في الكتاب الذي كلفني في ذلك الوقت ثلاثة دنانير عدا ونقدا ، اخذت اتحدث عن لوحاته الغريبة مع الاصدقاء حتى انني حاولت ذات يوم وانا اجري لقاءً قصيرا مع الراحل الكبير فائق حسن لإنشره في زاوية صغيرة في الصفحة الاخيرة من جريدة الجمهورية التي كان يشرف عليها الاستاذ سامي الزبيدي ، وكانت الزاوية بعنوان ” من أنا ” سالت فائق حسن عن فرانسيس بيكون ولم يكن السؤال ملائما للزاوية التي كانت مهمتها التعريف بالفنان وحياته وآخر اعماله من خلال اسئلة قصيرة تتطلب ايضا اجابات قصيرة ..

اتذكر ان الفنان الكبير نظر الي بريبة وهو يواصل العمل في احدى لوحاته في مرسمه باكاديمية الفنون الجميلة .. ثم توقف قليلا وهو يقول لي وهل تعتقد ان هذا السؤال ملائم ، ام انك تريد امتحاني .. شعرت بالخجل واخذت اتعثر في الكلام ، لكن طيبة الفنان الكبير انقذتني حين سالني : وانت هل تعرف فرانسيس بيكون جيدا ، فوجدتها فرصة لاحدثه عن الكتاب الذي اشتريته وكنت اظنه لوحات للفيلسوف الانكليزي فرانسيس بيكون ، وبعد ايام ساحمل بيدي الصحيفة التي نشر فيها حوار فائق حسن واذهب الى اكاديمية الفنون الجميلة ، فكانت مكافاتي على الحوار ان اعطاني الفنان الكبير كتابا بعنوان ” مقالات في النقد التشكيلي ” لمؤلف اسمه رمسيس يونان ، كنت قد قرات له ترجمته لمسرحية البير كامو الشهيرة ” كاليجولا ” وكانت المقدمة بعنوان البير كامو وشرف الانسان ، ولا زالت هذه المقدمة من اجمل الكتابات التي قرأتها عن فيلسوف العبث .. في الكتاب الذي اعارني اياه الفنان الكبير فائق حسن عثرت على مقالة بعنوان ” فكرة العبث عند فرانسيس بيكون ” . ورمسيس يونان اضافة الى كونه ناقدا فنيا ومترجما فهو احد الرسامين الكبار في مصر حيث يعود له الفضل في تاسيس الحركة السيريالية العربية ، وكان رمسيس المولود عام 1913 قد التحق بمدرسة الفنون الجميلة العاليا في القاهرة عام 1929 ، لكنه تركها في اول موقف متمرد يمارسه في حياته ، حيث اتجه الى دراسة الفن على طريقته الخاصة يكتب عنه لويس عوض ان رمسيس يونان خلق لنفسه عالما سحريا غريبا صادقا ، في العام 1938 سيصدر كتابه الاول ” غاية الرسام العصري ” وكان اشبه بمينافيستو ثوري ، حيث طالب من خلاله بضرورة اعادة النظر في منجزات الرساميين السابقين ، وراح يدعو الى التمرد على الجيل السابق الذي اتهمه يونان بانه عجز عن التعبير عن ابعاد الواقع المتجدد وعن الصراعات العميقة التي تعتمل في باطنه .. وكان كتاب ” غاية الفنان العصري ” اول محاولة في اللغة العربية يتعرض فيها مؤلفها الى الاتجاهات الحديثة التي ظهرت في تلك السنين مثل التكعيبية والوحشية والتعبيرية والسريالية التي تحمس لها رمسيس يونان واعتبرها بمثابة مذهبا فلسفيا للحقيقية يكتب :” على ان هذه الطائفة من السرياليين تبشر بالايناع والاثمار وانها من بين الطوائف التشكيلية اكثرها املا في المستقبل ” ، والمثير ان رمسيس يونان سافر في اربعينيات القرن الماضي الى باريس حيث اقام فيها سنوات تعرف على بيكاسو وارتبط بصداقة خاصة مع اندريه بروتون ورفض ان يوقع على البيان السيريالي الي كتبه بروتون ، وكان رحلته الى باريس بهدف المشاركة في العرض الدولي للسيريالية ، لكنه قرر ان يقيم معرضا خاصا به ، وراح يراسل مجلة الهلال حيث يقدم كل شهر رسالة فنية من باريس الا وقد وضع السرياليين اسمه في الوسوعة التي صدرت في باريس عام 1982 بعنوان ” موسوعة السيريالية ” حيث احتل مكانا باعتباره احد رواد السيريالية في الشرق .. وقد توزعت جهود رمسيس يونان بين الرسم والنقد الفنى والترجمة، حيثاصدر كتاب دراسات في الفن وكتاب الفن والتاريخ ، وكتاب المعنى في الفن ، وكتاب فلسفة البير كامو ، وكتاب عن خطورة الفاشية ، وفي الترجمة ارتبطت باسمه ترجمة القصيدة الشهيرة لارثر رامبو ” فصل فى الجحيم” ، اضافة الى مسرحية “كاليجولا ” لكامو ،وفصول من كتاب اندريه مالرو ” تناسخ الآلهة ” ورواية ” الحب الاول لتورجنيف ” التي وجدت بين اوراقه بعد وفاته عام 1966 .

صور الرسام فرانسيس بيكون يأسه من انهيار المجتمعات الأوروبية بعد الحرب العالمية الأولى في معظم لوحاته المليئة بالغرابة والشهوانية والقتل والامل الضائع والوحشية والعذاب الذي يطارد الانسان ، حيث قدم في لوحاته وجوه وشخصيات مشوهة التفاصيل ، يغلب عليها الاحساس بان هناك زمنا مهددا بالدمار والتمرد وفقدان الامل ، رفض ان يوصف بانه فنان سيريالي ، واصر انه رسام واقعي موضوعه الاساسي الانسان بوجهه البشري ، فالحياة هي التي تهمه ، إلا ان صور الانسان عنده معذبة وماساوية ، قال في احدى حواراته انه كان يود تصوير الابتسامة ، لكن الصراخ ظل شاغله الاول ، وهو مثل مواطنه صموئيل بيكيت يبدو الانسان عنده وحيدا ، يعاني الالم والخوف ، والعزلة ،والقلق ، يحيط به فراغ، يعيش في غرف فارغة ، حيث الافواه مفتوحة بصرخات بلا صوت .

ولد فرانسيس بيكون في الثامن والعشرين من تشرين الاول عام 1909 في مدينة دبلن لاب بريطاني كان قائدا عسكريا في فصيل الخيالة ، وام استرالية تملك عائلتها مناجم للفحم ، وقد كتب جده انتوني بيكون انه حفيد الفيلسون فرانسيس بيكون ، عاش طفولة خجولة وتمنى في يوم من الايام ان يصبح فتاة ، فارتدى وهو في السادسة عشر من عمره ملابس امه ، مما اثر غضب والده فطرده من البيت وسيكتب بعد اعوام لصديق ” ما صنعني هو رفضي للحياة التي كان يريدها لي ابي ” . عندما بلغ العشرين من عمره قال لامه انه من المضحك ان يكون الرجل خجولا :” عندما بلغت الثلاثين من عمري ، بدأت اتمكن من الانفتاح على الحياة ، لكني وجدت معظم الناس يقومون بذلك في سن المراهقة وهذا ما يجعلني اشعر دوما بانني افسدت عددا من سنوات العمر ” . لم يكن متفاهما مع والديه ، وكانت الام تنظر اليه على انه صبي منحرف ، ولم يتبدل موقفها إلا عندما بدات ترى اهتمام الناس بلوحات ابنها :” حدث هذا في وقت متاخر من حياتها ” يصف ابوه بانه كان ضيق التفكير ، همه الشجار مع الجيران ، لم يرتبط الاب بصداقة مع احد ، وكان يولي الاخ الاصغر من فرانسيس الكثير من العناية ، وقد كره ان يصبح ابنه رساما ، فقد كان يعتبر الفن امراً سيئاً يمضى الى الانحراف ، ولهذا قرر الاب التوقف عن تقديم المساعدة المالية لابنه ، الامر الذي دفع الام ان تتكفل بمصاريف فرانسيس ، في العشرين من عمره يسافر الى لندن ، ثم يمضي متنقلا بين العواصم الاوربية ، في باريس يتعرف على بيكاسو ، ويقول انه ما ان شاهد احدى لوحات بيكاسو حتى قال في نفسه :” لم لا احاول ان ارسم ” ، سيعود الى لندن عام 1930 حيث يعمل مصمما للاثاث ، ويبدأ برسم لوحاته ، في تلك السنوات يتعرف على الناقد الفني الشهير هربرت ريد الذي سيكتب في كتابه ” الفن الآن ” عن فرانسيس بيكون ولوحته ” صلب المسيح ” يؤكد ريد ان بيكون ركز في لوحته على الالم والعذاب والموت ، بعدها سيواصل الرسم حيث تظهر في لوحاته الاشكال المشوهة ، والاجساد التي عبر عنها بكتل من لحم متلاصقة .

في العام 1934 افتتح معرضه الشخصي الاول ، والذي كان نصيبه الفشل ، فقرر ان يتوقف عن الرسم ، واثناء الحرب العالمية الثانية مزق بيكون الكثير من لوحاته ، لكنه سيعود قبل نهاية الحرب بعام ليقدم لوحات وصفها النقاد بانها تصور حالة القلق وخيبة الامل .. وسيعتبر العام 1944 مولده الحقيقي لانه تمكن من اكتشاف اسلوب خاص به ، حيث صور لنا الإنسانية وهي مشوهة بعد الحرب ، وقدم لنا بورتريهات من نوعٍ خاص، وجوه مشوَّهةٌ بعنف، تصرخ ، حتى وجهه هو شخصيًا لم يسلم من التشويه في بورتريهاتٍ ذاتية ، فاطلق على لوحاته اسم “اللوحات الصارخة ” .. في العام 1949 سيرسخ نفسه فنانا كبيرا عندما اشترى متحف الفن الحديث في نيويورك احدى لوحاته ، وفي هذا العام اقام معرضا في لندن قدم من خلاله موضوعات عن العنف الذي يطارد الانسان ، في العام 1950 ستعرض لوحاته في المعهد الملكي للفنون في لندن ، وفي تلك السنة رسم بعض البورتريهات للبابوات الفاتيكان حيث اظهرهم باشكال غريبة ومخيفة ، حتى ان الكنيسة وصفت لوحاته بانها” هلوسات شاذة ” . العام 1954 يمثل بريطانيا في معرض الفنون في البندقية ، وقد ترك فرانسيس بيكون خلال هذه السنوات تاثيرا ملحوظا على الفن التشكيلي حتى ان بعض النقاد اعتبروه منشيء الحركة الفنية الجديدة ، وسيحصد الشهرة والمال عام 1973 حيث بيعت لوحاته بملايين الجنيهات البريطانية ، وعندما اقيم معرضه في باريس عام 1977 حضر حفل الافتتاح خمسة الاف شخص وقد وصفته الصحافة الفرنسية بانه اكبر تظاهرة ثقافية ، العام 1988 اقيم معرضا لاعماله في نيويورك وقد زار المعرض اكثر من 200 الف شخص .. ورغم ان بعض النقاد استمر بمهاجمته ، لكنه لم يكن يهتم بذلك وكتب :” لقد كان املي دائما أن اعبر عن الاشياء بصورة مباشرة ، كما اراها في الواقع ، او ما يسمى بالحقيقة التي تؤلمهم ” .. في العشرين سنة الاخيرة من حياته عاش فرانسيس بيكون حياة غريبة ، حيث نادرا ما كان يخرج من مرسمه الذي كان عبارة عن شقة ضيقة تملأها علب الاصباغ المبعثرة على الارض مثلها مثل الكتب وادوات الطعام ، وقد كان يغطي الشبابيك بشراشف حتى لا ينفذ اليها الضوء او الهواء ، ويخلط الوانه في اطباق الطعام ، يقضي وقته بين الرسم وتناول الطعام . في الثامن والعشرين من نيسان عام 1992 يتعرض وهو في مدريد لازمة قلبية لم تمهله سوى ساعات ، حيث اعلن في المساء عن وفاته عن عمر 82 عاما

يكتب فرانسيس بيكون :” انني احب للوحاتي ان تظهركما لو ان انسانا قد عبر بينها بحيث ترك علامات الحضور الانساني ، وآثار ذكرى الحوادث الماضية ” ، في معظم لوحات اصر بيكون أن يقول لنا أن وجود الانسان مجرد صدفه وانه مخلوق عديم الحيلة .

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.