ثقافة مقالات

القراء الجدد وإشكالية الجهل المؤسس

القراء الجدد وإشكالية الجهل المؤسس

بقلم : أ. كرايس الجيلالي – الجزائر 

نحن ذلك المجتمع المثقف الذي يقرأ من الفنجان، ويلمع الزجاج بالجرائد، قالها نزار قباني ذلك الشاعر الفذ، واختصر أزمة العرب، وعلاقتهم المتأزمة بالكتاب والقراءة بصفة عامة، مجتمع يعادي الحروف ويعشق الألوف، ولا يصادق الحروف إلا إذ كانت مصدرا لجمع الألوف، مجتمع مصاب بداء الجهل، جهل تطور وانتقل من الأمية التي فرضتها الظروف الاستعمارية، إلى أمية من نوع آخر، وهنا لست اقصد التحكم في التكنولوجيا، ولا شيء من هذا القبيل، بل اقصد أمية المتعلمين، بل أمية الجامعيين الأكاديميين، وهي اخطر أنواع الأمية، والجهل الذي نعاني منه اليوم، وهو في طريق الانتشار والاتساع، وهو يلتهم في كل يوم المزيد من الأكاديميين المزيفين، وفي كل يوم يتم الإعلان عن تتويج دكتور جديد لكن في حقيقة الأمر هو أمي جديد يختبأ وراء حرف الدال التي لن تفارق اسمه حتى يوم رحيله.

لست هنا بصدد التعميم، أو التهجم، والتجريح، لكنني بصدد التطرق لازمة حقيقة تعصف بالجامعة الجزائرية، أو بالمجتمع بصفة عامة، مجتمع ينتمي إلى أمة اقرأ، التي لم تعد تقرأ، وهذا حسب كل الدراسات والتصنيفات العالمية، حيث لا يتجاوز مجموع ما يقرئه العرب مجتمعين، ما يقرئه مواطنو دولة صغيرة في أوروبا، وهذا حقا عنوان كارثة نسير نحوها بكل ثقة، فنحن ننتقل تدريجيا إلى ذلك المجتمع الذي يتمتع فيه الكثير من الأميين، والجاهلين بأرفع الدرجات العلمية، ويتقلدون اكبر المناصب، تحت مظلة ( د ) أو مظلة ( أ د )، التي لم تعد تعكس في كثير من الأحيان مستوى من يحملونها، خاصة وأن نسبة المقروئية في تراجع مستمر، ولا أحد اليوم يقرأ كتابا من أوله إلى آخره، لأننا انتقلنا من القراءة من أجل المعرفة والتوسع العلمي، إلى القراءة من أجل البحوث، والمذكرات، والأيام الدراسية، والملتقيات، وهذا ما يمكن اعتباره أسوء أنواع القراءة.

إن مفهوم القراء الجدد الذي حاولت الإشارة إليه في بداية هذه الورقة، أردت أن أعبر من خلاله عن ذلك النوع من القراء الذين ننتمي إليهم في أغلبنا، وهم قراء يتعاملون مع الكتب بانتقائية وبطريقة آنية لا أكثر ولا أقل، ليس همهم المعرفة المطلقة، ولكن همهم معرفية آنية تنتهي فعاليتها بمجرد انتهاء الامتحان، أو كتابة المذكرة، أو البحث، هي قراءة محكوم عليها بالفناء، لأنها غير قابلة للاستثمار فيها، أو تطويرها، إنها تعويد العقل على القراءة من أجل شيء محدد فقط، وهذا ما أدى إلى تدمير العقل وتحوله إلى جهاز يحمل بعض المعلومات وهو مستعجل من أجل إلغائها، لأنه تدرب على القراءة المؤقتة، وبدون هدف وبدون مشروع.

نحن مجتمع يقرأ من أجل أشياء محدودة، وأفق ضيق، نحن لا نقرأ أبدا من أجل مجتمع المعرفة، بل من أجل معرفة آنية، نوظفها ونتحصل على ما نريد، ثم تذهب تلك المعلومات التي خزنها في عقلنا الفارغ، أو الذي لا يعرف عملية تخزين المعلومات، لأنه لم يتعود عليها، ولا يفهمها، نحن نمتلك عقول لا تمارس النقاش، ولا تمارس احتواء العديد من القراءات، ومحاولة تطوريها أو تمكينها من عملية التلاحق الفكري، إذا نحن أمام عقل أداتي لا أكثر ولا أقل، أو مثل حامل بطاقة شحن المعلومات، لأنه يحملها ولا يقدر على التصرف فيها، أو الاستفادة منها، وهذا بسبب ذلك النوع من القراءة والذي انتشر بين الجامعيين والأكاديميين، وافقدهم علميتهم، وحلولهم إلى عقول تعتمد على الحشو، لا على الفهم، وبالتالي هي غير مستعدة لممارسة علمية التدقيق والتمحيص.

إن الذهاب إلى الفهرس واختيار العناوين التي تخدم موضوعنا، هي قراءة تعودنا عليها في انجاز البحوث والمذكرات، لكن المشكلة أن هذا النوع من القراءة تحول إلى النوع الوحيد الذي نعرفه ونمارسه، وأصبح أسلوبنا الوحيد الذي نتعامل من خلاله مع الكتب، التي لم نعد نعرفها منها إلا عناوينها وبعض الأسطر التي نقرئها تحت سطوة ظروف قاهرة، فالكتاب والقراءة لم يعدوا ضمن أولوياتنا، أو انشغالاتنا، فالقراءة لا تساوي شيء بالنسبة إلينا، ونحن نذهب إليها مضطرين فقط، فليس هناك من يريد ممارسة القراءة لذاتها، لتكوين شخصية علمية، وعلى اطلاع، وهذا ما أصبح يشكل أكبر إشكالية لدينا كباحثين، وأكاديميين.

إن الاعتماد على عشرات الكتب، والموسوعات، والرسائل، وبمختلف اللغات لا يعني أبدا أننا ذوي اطلاع علمي، أو أننا مهووسون بالقراءة، فمن بين مئات الكتب التي نزين بها قائمة المصادر والمراجع فإن حجم ما قرأناه منها لا يتعدى في أحس الأحوال عشرون أو ثلاثون ورقة، وهنا تكمن الكارثة، خاصة أن هذا الأسلوب قد طغى على علاقتنا بالكتب، وبالقراءة، وأصبحنا نخرج في كل عام ألاف الجاهلين بتقدير جيد جدا، وأحيانا مع توصية بالطبع والنشر، رغم أن أعملنا تلك وفي أغلبها حشو، وقص ولصق، ونحن أول الغرباء عنها، فكيف نريد نشرها وتعميمها، إلا إذ كنا نريد تعميم الجهل المؤسس.

الجهل المؤسس هو أخطر ما أصبح يهاجم مجتمعاتنا، ويسيطر عليها، ويحولها إلى مجتمعات تسير نحو الهاوية، فمن جهة السواد الأعظم من المجتمع لا يقرأ إطلاقا، والجزء الآخر يقرأ بطريقة خطيرة وتعتبر أقبح وأشنع من، من لا يمارس القراءة أصلا، لأن مجتمع الكتاب، ومجتمع المطالعة هو مجتمع يعرف ما يقرأ، ويستطيع الاستثمار فيما يقرأ، لكن القراءة على طريقة الاقتباس والإحالة، هي حقا إعدام للكتاب وحشو للمذكرات والدارسات بمجموعة مبعثرة من الهوامش، التي نجد أنفسنا نقع على هامشها، ولا نعرف منها شيء، فقط إذا شعرنا أنها تتوافق مع ما نريد أن نقول، أو حتى ننقل ما نكتب من العامية العلمية، إلى الأكاديمية العلمية، وهنا يمكن القول أننا مجتمع نقرأ مكرهين، أو نمارس القراءة بحكم القانون، لا بحكم التوسع والتأسيسي للمعرفة العلمية، والتأسيس لمجتمع المعرفة، لأن طريقتنا الآن في القراءة وعلاقتنا بالكتاب تشير بوضوح إلى أننا أسسنا لأخطر أنواع الجهل، وهو جهل المتعلمين، وجهل الأكاديميين، وجهل من نتوقع منهم إزاحة الجهل عن مجتمعنا.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
كرايس الجيلالي
كرايس الجيلاي؛ باحث دكتوراه في علم الاجتماع السياسي – جامعة وهران 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.