اجتماع مقالات

الإنفصال والإتصال في النظريات السوسيولوجية

الإنفصال والإتصال في النظريات السوسيولوجية:
من النظريات الكلاسيكية إلى النظريات المعاصرة

بقلم: نور الصباح بو – الجزائر

لا يمكننا اليوم او في اي زمن مضى ان ندرس السوسيولوجيا دون الإستناد إلى نظرياتها الكبرى التي صنفت تحت إسم النظريات الإبستيمولوجية ، وتحت السياق قد اندرج إتجاهين لدراسة السوسسولوجيا ، الإتجاه الكلاسيكي ، والإتجاه المعاصر ، فكان لحديث الإتجاه الكلاسي ان يبدأ طرحهم من اين نبدأ دراسة الظواهر الٱجتماعية هل من الفرد او من المجتمع .

انقسمت هنا السوسيولوجيا الكلاسيكية الى مذهبين تأسسيتن هما :

المذهب الاول: الإتجاه الماكروسوسيولوجي: الذي يبنى على دراسة الظواهر الكبرى في المجتمع فقط ، ويرى ان الفرد هو جزء من الظاهرة فقط ؛

اما المذهب الثاني : لأصحاب الإتجاه الميكروسوسيولوجي :هنا النظرية عكس الأولى ، يتم دراسة الظواهر عن طريق دراسة الفرد في المجتمع كجزء مهم جدا ويعتبر إنطلاقة الدراسة السوسيولوجيه ، فانظريه هنا تهتم بدراسة الوحدات الإجتماعية الصغرى .

قدتوجهت النظريات المعروفة اليوم مثل النظرية الوظيفية والصراعية إلى الإعتماد في دراساتها الإبسيمولوجيه إلى الإتجاه الماكروسوسيولوجي.

اما نظريات الرمزية التفاعليه ، والفعل الإجتماعي ، والفينومينولوجيه ، مثل هذه النظريات التي استعبدت الإتجاه الميكروسوسيولوجي وجعلته غير مهم في تفسير الظواهر الإجتماعية ، بإعتبار الفرد هو نقطة صغيره جدا لبداية تفسير الظواهر الإجتماعية ، أي ان الفرد بإعتبار نقطه لبدايه يفسر جزء صغير لبداية او منطلق دراسة ابستيمولوجية.

ومع التقدم العلم الإبستيمولوجي اليوم في السوسيولوجيا ظهرت في النظريات المعاصرة جمع بين الإتجاهين معا الماكروسوسيولوجي والميكروسوسيولوجي ، فظهر رواد ومدارس واتجاهات اخرى نجحو في جمع الإتجاهين ودراسة الظواهر الإجتماعية في اتجهاين معا ، وهناك من عارض وظهر في إتجاهات نقدية لمدارس واتجاهات اخرى.

رواد الإتجاة الماكروسوسيولوجي:يعتبر هدا الإتجاه المجتمع هو المبدألدراسة الظواهر الإجتماعية ، وحسب هدا المبدأ الفرد الا جزء صغير يصل الى نتائج يمكن الإنطلاق منها لبداية الدراسة الإبستيمولوجيه ، ولهدا يرفض رواد هدا الإتجاه ان يقبل الإتجاه الميكروسوسيولوجي ، بإعتبار ان الفرد نقطة لإنطلاقه فقط لاتتعدى البدايه في دراسة الظواهر الإجتماعية ،

ولكن هذه النقائض والجدائل الإبستيمولوجيه ترجع جذورها الى الفلسفة بين انصار الإتجاه الكلياني

holismeوانصار الإتجاه الفرداني individualisme في الفلسفة الإغريقية وبالضبط في الجدل المعرفي بين المثالية الأفلاطونية والواقعية الأرسطية ، ، ، حيث سادها نقاش فكري بين الإتجاه العقلاني بين رينيه ديكارت و ، انصاره الذين ينظرون الى العقل بأنه مصدر حقائقنا ، والإتجاه التجريبي الذي يرى ان الحقيقة تتمظهر في الواقع التجريبي الملموس ، ، ، فالفلسفة المعاصرة تعامل الفيلسوف الألماني E,kant بذكاء مع هذا الٱشكال ، أن جمع بين الإتجاهين في مذهب واحد ، ثم خرج بفلسفته النقذية.

فإستقلال السوسيولوجيا عن الفلسفة ماهو الا إستقلال للنظره الميثافيزيقية فقط التي استعبدها العلم السوسيولوجي ، وإن الشرح والصيغ التي ميزت الإتجاه الماكروسوسيولوجي عن الإتجاه الميكروسوسيولوجي ماهو إلا انعكاس فلسفي لتلك الثنائية الفليفية النقذية التي تريد الإجابة عن السؤال الإبستيمولوجي ، من يحدد الظواهر الإجتماعية الفرد ام المجتمع?!.

وفي ظل النظريات المعاصرة ، قد جمعت بين التراكمات العلمية السوسيولوجية الذي كان يميز النظريات الكلاسيكية. حيث جمعوا بين الفرد والمجتمع في تفسير الظواهر الإجتماعية ، مثلما فعل إيمانويل كانط في الفلسفة المعاصرة.

حيث وفق بين العقلانيين والتجريبين ، وإن ذل ذلك فإنه يدل على ان المعرفة التاريخية عبر سيرورتعا بثلاث مراحل: مرحلة بناء المعرفة ، ثم مرحلة إنتقاد المعرفة ، ثم التوليف والجمع بين المعريفتين المتناقضتين ، فهدا هومسار المعرفة السوسيولوجيه .

التأسيس السوسيولوجي وبداية الإختلاف النظري:جدلية الإتجاه الكولياني والفرداني في بناء المعرفة السوسيولوجية ، بعد استقلال الفلسفة عن السوسيولوجيا بدأ المؤسسون لها يلحون على المناهج التي تدرس الظواهر الإجتماعية ، حتى يكون علم قائم بحذ ذاته ويتسم يالعلمية ، لكن لازلت الفلسفه مرابطه بالسوسيولوجيا لأن معظم نظرياتها مقتبسة من أفكار الفلاسفه وايضا اغلب مواضع السوسيولوجيا هي مواضيع قديمة لفكر فلسفي قبل ان تكون سوسيولوجيه ، غير ان المناهج العلمية التي أضفتها السوسيولوجيا هي التي ميزتها كعلم قائم ومنفصل عن الفلسفة والفكر الميثافيزيقي.

1- الإتجاه الكلياني :

في أعمال رواد نظرية الصراع والنظرية الوظيفية ، واول مانبدأ به هو كونت ، فهو اول من وضع التأسيس لسوسيولوجيا ، فهو يوضح ان الظواهر الإجتماعيه لايبدأبالفرد ككيان اجتماعي ، فهو الاجزء من الظاهره ، ففي تفسيره للمراحل الثلاث التي مرت بها

المعرفة الإنسانية يركز هلى الكل الإجتماعي في بناء المعرفة السوسيولوجيه ، وبالاخص في المرحلة التي جاءت بعد الثيولوجيا التي تفسر الظاهرة الإجتماعية بنسبها إلى قوى خارجية تتحكم فيها . ، ومن خلال تصويره للمنهج فإن تعامله مع الظواهر الإجتماعية هو تعامل خارج عن الذوات ، وليس البحث والتعمق في السلوكات الفرديه ، وقد اعتبر الفرد والعائلة والدولة الوحدات الاساسية للمجتمع فقط ، بينما المجتمع هو وحدة حية ومركبا معقدا.

بعد كونت دور كايم E.Durkeim نظرته لهدا الإتجاه يبرز من خلال اعماله السوسيولوجية وبالاخص في تقسيم العمل الإجتماعي والإنتحار والأشكال الأولية للحياة الدينية ، هي عبارة عن مقاربة للإتجاه المامروسوسيولوجي ، فهذه الظاهرة خارجه عن وعي الافراد بإعتبارهم مساهمين فيها بلاوعي منهم ,وتمارس عليهم نوعا من القهر الإجتماعي والإلزام ، وذمر في تعريف له ، هي كلكل طرق الفعل والتفكيروالإحساس خارجه عن الفرد ، والتي تمارس عليه إكراها إجتماعيا.

وفي عمله الإنتحار ايضا يرجعه الى عوامل إجتماعيه ، نتيجة الإكراه الذي يمارس عليه المجتمع ، وليس نتيجة أسباب سيكولوجيه اوشخصية.

وفي تعريف للإنتحار يقول ، ان الانتحار كل حالات الموت ناتجه بشكل مباشر او غير مباشر عن فعل إيجابي ام سلبي ترتكبه الضحية نفسها والتي تعرف نتائج فعلها,اي ان الإنتحار جاء من الإكراه الخارجي الممارس بشمل مباشر اوغير مباشر الذي فرض على الضحية الهروب من الواقع القهري .

وبما ان الوقائع الإجتماعية خارجه عن الفرديه فإن المنهج المتبع هو كلياني مستبعد ان يكون الفرد هو المنطلقه لدراسة الواقعه الإجتماعيه.وذلك في تعريف له ، لتحديد سبب الواقعة يجب البحث ضمن الوقائع الإجتماعية السابقة عن الأفراد ، وليسضمن حالات الوعي الفردي.

وايضا في نفس سياق الإتجاه الماكروسوسيولوجي نجد كارل ماركس في النظرية الوظيفية بإعتباره المؤسس لها ، حيث ترفض البدء بالذات ، في تعريفه ، هو النسق الكلي لاالفرد ، فالنسق او النظام الإقتصادي ، هو الذي ينبغي التصدي له ، لاالأضرار الجزئية ،

وإن كان هيجل هو الأصل ان استمدت منه نظرة ماركس التاريخية للتطور الإجتماعي ، فهده النظرية التطورية مرتبطه بابجدل الدياليكتيك الذي اقتبسه ماركس بدون تغيير من هيجل .

فإن ماركس انتقد بشده تأكيد هيجل للطبيعه الروحيه للعالم ، وهكدا ماركس استبدل التفسير الروحي المثالي لهيجل بالتفسير المادي الواقعي ، اي يعني ان طريقة

إنتاج الحياة المادية تفرض سيرورة الحياة ، السياسية والإجتماعيه والثقافية ، وفي العموم ليس وعي الناس الذي يحدد وجودهم الإجتماعي ، بل العكس من ذلك ان وجودهم الإجتماعي عو الذي يحدد وعيهم .

وكرد على الإتجاه الكلياني ، نلاحظ ان هدا الإتجاه الماكروسوسيولوجي هو عباره عن فلسفات تاريخيه مقتبسه ، فكان البعض منها يأخدها ويقارب عليها مثل ماجاء في اعمال دوركايم وكونت ، ومنه من يأخذ هذه الفلسفات التاريخيه ويقلب عليها انتقاذا ويجعلها وجه آخر للمقاربات المامروسوسيولوجيه مثل مافعل كارل ماكس مع هيجل وفلسفته الألمانية.

 

وهدا ان اصحاب السوسيولوجيا الألمانية لم يعجبهم ماجاء في قلب فلسفة هيجل منقلب للإرث الفكري الألماني من الجدلية المثالية ، فكانو من انصار الإتجاه الميكروسوسيولوجي كرد على كارل ماكس ،

وهدا ماجاء في نظرية الفعل الإجتماعي التي اعطت إهتمامها للذات ولأجزاء صغيرة في المجتمع لفهم الظواهر الإجتماعية .

فقد دخلت هذه النظرية في صراع فكري وجدلي مع النظرية الصراعية والوظيفية ، وبالأخص مع مؤسيسن هذه النظريه .

فقد استمد هذا التصور من W.Dilty الذيالذي يرجع له الفضل في البيان الواضح لتفرقه حاسمة بين

العلوم الطبيعية والإنسانيه لطبيعه كل حقل على حدا ، إنتقاذا لمؤسسي النظرية الوظيفية الذين أرادو ان تدرس الظواهر الإجتماعية ، على طريقة الظواهر الطبيعية .

لهدا ماكس فيبر في منهج فهم الظواهر الإجتماعيه وهو ادتصور منهج اقتبسه من ( ديلتي ) قائلا: نفسر الطبيعه ونفهم الحياة الروحية.

فقد تمكن ماكس فيبر من رد الإعتبار للفرد في بناء المعرفة السوسيولوجية وكردا على الإتجاه الماكروسوسيولوجي الذي اهمل الفرد في بناء هذه المعرفه ، فقد ركز فيبر على منهج الفهم بدل التفسير من خلال تعريفه ، السوسيولوجيا هوالعلم الذي يهدف إلى فهم النشاط الإجتماعي Activitésl sociale وتأويله وتفسيره سببيا .

اي الإنطلاق من ذات المبحوث اومن ذات الفاعلين الإجتماعيين المراد دراستهم ، وليس من ذات الباحث ، وقد تحدث عن هذه الاخيره في مفهوم الحياد الإكسيولوجي neutralité d’axiologique .

وقد رفض ماكس فيبر نظرة تفسير كارل ماكس للراسماليه ، حيث اعتمد في تفسبره عل العوامل الثقافيه بالاخص الدينية ، فالعمال يعملون في الوحدات الصناعية خوفا من عقاب الله تعالى ، وحفاظا على اتمام الواجب ، وليس في المادية التاريخيه عند ماركس .

وقد ساهمت اعمال ماكس فيبر وجورج زيمل في نشأة تيار نظري آخر ياخذ تصور الإتجاه الميكروسوسيولوجي ، وهو التفاعلية الرمزية ، والذي ساهم (G.H.MEAD)في نشاتها ، رغم انه لم يطور ماجاء به من منهجية للدراسة الإجتماعيه ، إلى ان جاء (H.Blumer) فوضح معالم هذه الرموز التي تهتم باللغه والرموز والإيماءات ، فالتفعل الرمزي هو خاصية مميزة وفريده للتفاعل الذي يقع بين الناس ، ويميز هدا التفاعل ان الناس يفسرون ويؤولون هذه الافعال دون الإستجابة المجرده لها ، بمعنى الإستجابة لن تكون مباشره إلا بعد فهم وتفسير هذه الرموز والإيماءات

وقد وجهت هذه النظريه كإنتقادات بالنسبة لأنصار الماكروسيويولوجي الذي يرتكز على الأنساق والمؤسسات والبناءات الإجتماعية الكبرى .

كما لاحظنا سابقا التضاربات الفكرية والإختلافات في تفسير الظواهر الٱجتماعية من الحانبين الماكروسوسيولوجي والميمروسوسيولوجي ، ولهدا يجدر بالإشارة إلى فكرة مهمه واساسية هي ان هدا الإختلاف هو الذي يطور هدا العلم ، كما اشار طوماس كون في كتابه الثورات العلمية ، ان العلم مبني على مجزج هذه الثورات العلمية ، كما ذهب إليه انصار السوسيولوجيا المعاصرة.

ان بداية العلم السوسيولوجي كان يستند على مبدأ النظريات الكلاسكية الا ان الوظيفين الجدد متأثرين بالوظيفين الكلاسكين ، دور كايم ، كونت ، سبنسر.

فالوظيفي المعاصر الامريكي parsonsيؤكد ان مبدأ الإنطلاق من الكل فدراسة المجتمع ، اي دراسة المجتمع في شموليته وكمنظومه ، ، وايضا P.Bourdieu تاثر بالصراع الماركسي ، ايضا رواد المدرسة النقدية متأثرين بماركس .

إلا ان السوسيولوجيا المعاصرة ، حاولت المزج بين النظري والإمبريقي ، والماكروسوسيولوجي والميكرو سوسيولوجي ، وتتميز على نظيرتها الأوروبيه انها تهتم بماهو إمبريقي اكثر من ماهو نظري ، فاول البحوث الأمريكية السوسيولوجية تميزت بالنزعة الأمبريقيه ، وبالخصوص مع تجربة زنانيكي وطوماس من خلال البخث اللذان قاما به حو الفلاح البولوني في مدينة شيكاغو ، وألفا كتابا ضخما من 5مجلدات إسمه الفلاح البولوني في أوروبا وامريكا 1918.

كانت ردة بارسونز قوية ، لأن السوسيولوجيا الامريكيه كانت إمبرقية بإمتياز ، لكن كان يجب توضيح فكرة اساسية وهي ان بارسونز كان يريد الجمع بين الجنبين النظري والٱمبريقي ، على خلاف ميرتون الذي اكد على الجانب النظري ، مع انه لم ينكر جهود العمل الإمبريقي .

إن جهود بارسونز وميرتون ، كانت كبيره في تطوير السوسيولوجيا الأمريكيه بين 1940/1970, في الدمج بين الفرداني والكلياني ، في دراسة الظواهر الٱجتماعيه ، هدا بالنسبة لبارسونز ، اما ميرتون فيتفق مع بارسونز في الدمج بين النظرية والمعطيات الإمبريقيه فقط ، بينما يرفض نظرية بارسونز التي يرى من خلالها تعميم النظرية على المجتمع ، بل بنظرية متوسطة المدى وليس بالنظريه البارسونزيه ، حسب تعريف له إدا كانت النظريات مفيدة فيجب تحديد مسماتها ، وحدودها ويبتهدعد عن النظريات الشديدة الطموح حول الطبيعة البشرية او المجتمع .

 وأخيرا إن السوسيولوجيا والمعرفه الإبستيمولوجية سواء كانت كلاسكية او عصريه على العموم فهي مبدا لحلقات فلسفية تاريخية لفلاسفة وضعو أعمال كبيرة متناقضه ومتمازجه ، ليأتي العلم السوسيولوجي ليضع منهجه على هذه المعرفه ، لتصبح معرفة إبستيمولوجية سوسيولوجية ذات منهج علمي يدرس الظواهر الإجتماعيه بناءا على تكامل الجهود في النظريات الكلاسكية والمعاصرة معا.

إن الإنتقادات الموجهه لمثل هذه الأعمال الضخمة هو انها أعمال مكملة لموروث فلسفي قديم ، وانها مقاربات لفلسفات مقلوبه ، تعتمد على على الجدل ، وتنتهي بالتركيب الفلسفي.

ورغم وجود المناهج المنظمه لمثل هذه الاعمال ، إلى ان بؤرة الإنتاج هي التفكير الفلسفي لاضخم الفلاسفه عبر السيرورة التاريخية.

المصدر: عبد العاطي اوحسين وعثمان السطابي ، باحثان في سلك ماجيستر السوسيولوجيا والتحولات المجتمعية_كلية الآداب والعلوم الإنسانية _مراكش

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.