دين فكر مقالات

اللطف الخفي

بقلم/ ماجد الصالح خليفات
يُنسب لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: وكم لله من لطف خفي، يدق خفاه عن فهم الذكي. ومعنى البيت أن لله عز وجلّ أقدار وألطاف في الأرض تحار فيها العقول النجيبة، من حيث يقدّر المنطق والرياضيات أن سير الأحداث في اتجاه مختلف. واللطف لغة: من الجذر لَطَف يعني رَفَق. وقال ابن الأَثير الجزري رحمه الله في تفسيره لاسم الله اللَّطِيف: هو الذي اجتمع له الرِّفق في الفعل والعلمُ بدقائق المصالح وإيصالها إلى من قدّرها له من خلقه.
في إحدى حلقات البرنامج الوثائقي (الأرضُ ليلا)* مشاهد غاية في العجب. أستشهد منها بذكور ضفادع التونغارا* وهي تتقرب للإناث في موسم التزاوج بنقيقها العالي. فيكون نِزالا ملحميا بلا دماء للفوز بليلة مع أنثى جاهزة للتلقيح. يكون النزال بإصدار أصوات عالية تردّه على بعضها كهزيج فلكلوري. وأنثى الضفدع مقرفصة بانتباه في مخدعها الطحلبي؛ لم تختر منهم واحدا ولم تأخذ قرارها بعد. تستمع لنقيقٍ الذكور المطعّم بنغمات خشنة، وبإنصات مبجّل تستمع للذكور صاحبة الأكتاف العريضة والعضلات المفتولة، التي تسعى كذلك لفرض سيطرتها على بقعة ما من البِركة، فيشرع كل واحد منها برفع صوت نقيقه؛ ليرد عليه خصمه بدرجة صوت أعلى فيؤكد على جدية المنافسة. وعادة ما يكون النزال بين عدد من الذكور التي تختلف في حجمها وقوة صوتها، فبعضها ذو خبرة وحنجرة صداحة، وأكبر حجما من غيره؛ الذي قد يكون يافعا لا يتجاوز حجمه عقلة الإصبع، لذا قد تبدو فرصة الأكبر حجما وسنّا والأعلى صوتا أكبر من غيره بالحساب والمنطق. المشهد مبهر حقا. أنثى في مقابلة جوقة من الضفادع المتحفزة لحفظ سلالتها… لكن مدعوا آخر بأجنحة رقيقة يهبط “من عتم الليل، والليل حرامي” كما قالت فيروز. تقوده أذناه إلى صاحب النقيق الأوضح، فيصيده وجبة عشاء دسمة. هذا ما يمكنني تسميته: “الكوميديا السوداء” حرفيا. إن هذا الوحش مُرسل ليخلي الساحة للأضعف، للأدنى فرصة. هل وقفت على الحكمة؟!
يمكن لك أن تلحد بالله الواحد أو تنكر وجوده، هذا عصر حريات. ولكنك مهما بلغت من جحود أو مهما بلغت من علم وحكمة، فإن لطف الله بالغك شئت أم أبيت، (ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير).
نحار كثيرا، كيف صُرِفَت عنا تلك الهاوية أو هذا السقوط، نعجب في أن الله سترنا بلا سبب أدركته عقولنا الموقّتة بساعة المنطق. لا نعرف، ألنحسن التصرف فيما بعد ونكون قوما صالحين، شاكرين أنعمه؟ أم إمهالا إلى أجل؟ هل نجونا لأجل ضِعاف سخّرنا الله لهم؟ أم لحكمة لن نعلمها. (وإن كبُر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء فتأتيهم بآية ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين) سورة الأنعام.
يقول عمر ابن الخطاب رضي الله عنه: “وددت لو خرجت منها (يقصد الدنيا) كفافا لا ليَ ولا عليّ”

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
_________
*Night on Earth
*Tungara frog

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
ماجد الصالح خليفات
ماجد الصالح خليفات؛ كاتب أردني في الموضوعات الإنسانية والأدبية، وحاصل على درجة البكالوريوس في القانون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.