أدب و تراث سياسة مقالات

أزمات مفتوحة في بلاد الأرز.. وتوسع دائرة الاصطفافات

أزمات مفتوحة في بلاد الأرز.. وتوسع دائرة الاصطفافات

بقلم: ا. هبة داودي – الجزائر

تدهور اقتصادي كبير، وندرة حادة في المواد الغذائية، أضف إلى ذلك احتجاجات عارمة وصدامات كثيرة ذات بعد طائفي، هي صورة تعكس حالات الاحتقان التي يعيشها لبنان، وتواجه حكومته الجديدة برئاسة حسان دياب، وبعد ان اعتبر لبنان ساحة صراع مواقع ونفوذ، بين المملكة العربية السعودية وايران وفرنسا وكذا الولايات المتحدة، برز دور تركي في المعادلة، على خلفية الأحداث التي يعيشها لبنان على وقع أزمة اقتصادية واجتماعية خانقة.

ولأول مرة يشار إلى دور تركي مفترض، في تأجيج احتجاجات داخل لبنان، بدأت معالمها بتوقيفات لأشخاص، ما بين 6 و 11 جوان الجاري، ولعل تدخل أجهزة الأمن اللبنانية جاء نتيجة للأبعاد التي أخذتها المظاهرات التي مالت إلى العنف والمواجهة وأعمال التخريب، وهي التي تجاوزت احتجاجات الحراك العادي، الذي شهدته الفترة الأخيرة في لبنان، بعد حراك 17 أكتوبر 2019، كما أنها تجاوزت الاحتجاجات التي كانت لها صبغة سياسية، بهدف الضغط على الحكومة في لبنان، خاصة وأن هذه الأخيرة وصفت على انها حكومة وليدة ترتيبات سياسية لاسيما بين حزب الله والتيار الوطني الحر برئاسة باسيل جبران.

واذا كان الدور التركي معلوما في الأزمة السورية، وكذا في الأزمة الليبية عبر الاتفاق مع حكومة الوفاق، والدور التركي في اليمن عبر دعم حزب الإصلاح، بهدف امتلاك نقاط ارتكاز وانتشار في أكثر من منطقة على امتداد السواحل اليمينة الاستراتيجية المطلة على البحر الأحمر، وعلى خليج عدن، فضلا عن الصومال والسودان، إلا أن الإنخراط الخارجي التركي في بلاد الأرز، جديد، يطرح الكثير من نقاط الظل والاستفامات، حول أبعاده وخلفياته في منطقة تعيش على وقع تجاذبات عدة أطراف إقليمية.

وتجد الحكومة اللبنانية نفسها في ظل غليان الشارع، والوضع الاقتصادي المتأزم على المحك، مع عودة الاحتكاكات ذات الطابع الطائفي، الذي يدفع بأطراف إلى الواجهة، مع عودة الحديث عن دور حزب الله في المشهد السياسي، إلى جانب النقاش الخاص بسلاح حزب الله، فإلى جانب إمكانية تحول الصدامات والاحتكاكات إلى فتنة طائفية ومذهبية، في دولة عانت من حرب أهلية دموية، طيلة سنوات، سجلت الصدامات الأخيرة في لبنان، إلى جانب الشعارات المطلبية والمعيشية تطورات خاصة، حيث انتقلت للمطالبة بنزع سلاح حزب الله، أضف إلى ذلك تطبيق القرار 1559 لمجلس الامن، الصادر في 4. سبتمبر 2004، الذي “يؤكد مجددا دعمه القوي لسلامة لبنان الإقليمية، وسيادته واستقلاله السياسي داخل حدوده المعترف بها دوليا”.

كما تضمنت إساءات إلى رموز دينية إسلامية، ما أدى إلى إثارة نعرات مذهبية في جو يسيطر عليه التشنج والضغط على الجبهة الاجتماعية، الامر الذي يؤدي إلى استخدام الأسلحة، ومنه حصول اشتباكات مسلحة تخرج عن السيطرة، خاصة في ظل انتشار السلاح من جهة، وضعف هيكلية الجيش اللبناني من جهة أخرى.

وعلى صعيد آخر، عرفت علاقات واشنطن وبيروت فصلا جديدا، مع صدور قرار قضائي لبناني يمنع السفيرة الأمريكية دوروثي شيا، من الادلاء بتصريحات علنية تخص الوضع في لبنان، خاصة بعد تحميل واشنطن “حزب الله” مسؤولية الفساد والمأزق الاقتصادي، وكذا أزمة النظام المصرفي وغيرها من المشاكل في لبنان، حيث أثارت تصريحات السفيرة امتعاضا كبيرا في لبنان، حينما اتهمت “حزب الله” بإعاقة بعض الإصلاحات الإقتصادية هناك، تزامنا مع تسلم وزارء محسوبين عليه حقائب وزارية في الحكومات اللبنانية الأخيرة.

وموازاة مع دعوة الحكومة اللبنانية لإصلاحات اقتصادية، كشكل من أشكال الاستجابة للمطالب المحتجين اللبنانيين منذ أكتوبر الماضي، انتقدت السفيرة الامريكية طريقة تشكيل الحكومة اللبنانية، التي تبعث على القلق، وأيدها حزب الله، التي تصنفه واشنطن منظمة إرهابية، وأحد أذرع إيران، واعتبر اللبنانيون تصريحات السفيرة بمثابة تدخل مباشر ووصاية بعيدة عن الأعراف الدبلوماسية، علما بأن لبنان من بين الدول الأكثر تضررا من قانون قيصر، الذي فرضته الإدارة الامريكية على سوريا، والذي اعتبره مراقبون بمثابة الجانب الاقتصادي للعدوان الأمريكي، عقب فشل برنامج تيمبر سيكامور، هذا الأخير الذي يهدف إلى تمويل المعارضة السورية، وتدريبها، وكذا تزويدها بالسلاح، للإطاحة بالنظام القائم برئاسة بشار الأسد.

ونتيجة لضغوط مارستها واشنطن على بيروت، بعد التلويح مرارا بعقوبات تطال لبنان، حظيت سفيرة الولايات المتحدة ببيروت باستقبال من وزير الخارجية اللبناني، من أجل تصحيح الوضع السابق الناتج عن قرار قضائي، باجراء سياسي يلغي الاجراء، مع الاعلان عن طي الصفحة، إلا أن ايران سجلت موقفها بخصوص تصريحات دوروثي شيا، مشيرة إلى أنها “كلما ثرثرت أكثر، كلما بهدلت نفسها وبلدها أكثر،.. لا يحق السفيرة الأمريكية أن تنال من بلد آخر، من خلال الاراجيف التي تختلقها”.

ومما لا شك فيه، هو أن لبنان بات عنصرا مركزيا في استراتيجية الولايات المتحدة تجاه إيران، عن طريق تحجيم دور حزب الله، في وقت لا يزال لبنان غارقا في أزمة سياسية واقتصادية ومالية غير مسبوقة.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.