مجتمع مختارات

مثل كل عام

مثل كل عام

بقلم: أ. علي حسين

اربعون عاما وانا اعمل في الصحافة .. ظللت أردد هذه العبارة وانا اتلقى التهاني من احبة واعزاء بمناسبة دخولي عاما جديدا من حياتي . ولا ازال احب ان اقول ان عمري الحقيقي هو الذي ارتبط بعملي في الصحافة .. التي هي مهنتي الحقيقية ، رغم انني من وقت لآخر كنت اكتب للمسرح والاذاعة والتلفزيون ، ومقالات عن الكتب والقراءة تحولت هي ايضا الى كتب .. لكن مهنتي التي تربطني بالحياة هي الصحافة .. بالتاكيد هناك الكثير من الصحفيين اللامعين الذين قضوا مع الصحافة اوقاتا مبهرة وهم اكثر مني كفاءة .. إذن لماذا اصدع رؤوس الاصدقاء حول عامي الاربعين كصحفي ؟ انني افعل ذلك لانني اريد ان اتحدث عن شغف المهنة ، واريد ان اتحدث بخاصة عن القارئ الذي يطاردني ليلا ونهارا ، والذي لا يشعر بالسعادة إلا بعد ان يتناول جرعته اليومية من صفحات الكتب ، مثلي مثل المريض الذي يجب عليه ان يتناول الدواء كل يوم .عندما دخلت عالم الصحافة شعرت بانني ادخل عالما عجيبا ومثيرا ، وكنت استمتع بفكرة انني يمكن ان اصبح يوما ما مثل كبار الكتاب الذين اقرأ اسمائهم على اغلفة الكتب الملونة . ولهذا كان لا بدم من تناول الدواء الذي يمكنني من تحقيق احلامي ، وقررت الجرعة اليومية من دواء القراءة الذي اتناوله لا بد ان تكون متنوعة ، فمرة يكون العلاج كتابا في الفلسفة ومرات روايات اعيش معها لحظات سعيدة ومرة الدواء في كتاب في السايسة او الاقتصاد او علم النفس او المسرح والسينما ..لكن الغريب في حالتي انني لم اتناول يوما وصفة طبية تتعلق بالصحافة ، فلم اقرأ كتاب يرشدني الى فن الصحافة ، لانني اؤمن ان الصحافة حرفة نتعلمها في غرف المحررين ونتقنها عندما نقرأ كثيرا في كل شيء واي شيء .. واذا كانت جرعتي اليومية من القراءة محددة بعدد من الساعات ، فان جرعتي الاخرى من الكتابة تثير في نفسي سعادة من نوع مختلف ، خصوصا عندما اجد نفسي قد كتبت صفحة اثارت اعجاب القراء ومتابعتهم، رغم انني اؤمن ان معظم ما كتبته لا يرتقي الى معيار الجودة .

ليس لدي فكرة كيف يمكن ان يتحدث الانسان عن نفسه وهو يدخل عاما جديدا ، لكن طريقتي في الحياة تحول امثالي الى اشبه بمرضى ينتظرون ان تفعل الكتب فعلا جيدا وحسنا في حياتهم ، انني استلهم من الكتب والصحافة، الافكار والعواطف والرغبات ، فافرح بالكلام الذي اقرأه ، واشعر احيانا بالتعاسة لأن العالم الذي نعيش فيه لايزال مليئا باشخاص يتعوذون بالشيطان كلما شاهدوا كتابا امامهم .

ان العالم الذي استكشفه كل يوم وامضي فيه وانا املأ اشرعتي بالكلمات الاتية من صفحات الكتب ، هذا العالم ولد معي منذ الصغر ، من تلك اللحظات الاولى التي تلمست فيها الكتب المكدسة في البيت..عندها شعرت وكانني اكتشف شيئا سيرتبط بحياتي طوال العمر .

ان اعظم امل لي اعيشه كل يوم ، ان استطيع تقديم موضوعات تثير اهتمام القراء ، وان يكون هذا عذرا يجعلني ابحث عن نفسي في رفوف الكتب التي جمعتها على مدى اكثر من 40 عاما من حياتي في الصحافة .

ومثل كل عام سانتظر ما تصدره المطابع من كتب جديدة ، ثم أنصرف إلى قراءة ما احصل عليه منها .

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.