اجتماع عالم المرأة عروض كتب مقالات

الحياة النسوية في مزاب

الحياة النسوية في مزاب
“قيمة تاريخيّة وسوسيولوجيّة نادرة”
بقلم/ زينب نور الدين شلاّط
كتابٌ لطالما كان حبيس رفوف المكتبات التاريخيّة القديمة بلغته الفرنسيّة التي كُتب بها، وبعضًا من المكتبات الجامعيّة، كان محطّ اهتمام الباحثين والمهتمّين بالتراث والثقافة المزابيّة وربما يتعدى ذلك إلى ذكره أحيانًا في بعض المحطات والمواقف في منطقة مزاب.هاهو اليوم يتجاوز تلك الحدود.. من مجرّد تداوله كعنوان فقط:

(LA VIE FéMININE AU MZAB 1927)

للمستشرقة الفرنسية “أميلي ماري ڨواشون” إلى كتاب يرى النّور بعدما وقع بين يديّ الباحثة السوسيولوجيّة “سامية نورالدين شلاّط”، الذي عملت على ترجمته أخيرًا إلى لغة حيث يستطيع قراءتها الباحث وكل من له فضول الإطلاع والاهتمام بالحياة النسويّة في مزاب في القرن المنصرم 1927م، وهو ما اعتبرته تحديًّا وتجربةً فريدةً من نوعها، كونها أول مترجمة تنتمي إلى المجتمع النّسوي المزابي.

صدر كتاب (LA VIE FéMININE AU MZAB) سنة 1927م، ليترجم بعد 92 سنة إلى اللغة العربية من قِبل المترجمة الباحثة ‘سامية نورالدين شلاّط’ في أكتوبر 2019م، دراسة وتحقيق: د.صالح محمّد الشيخ صالح، الصادر عن دار نزهة الألباب للنشر والتوزيع غرداية.

في أول لقاء بصري بالكتاب تجذبنا تلك المئذنة التي تحيط بها بيوت بسيطة ذات طابع عمراني ترابي اللون، إذ تجعلنا لأول وهلة ندرك أنّنا بصدد قراءة مؤلّف يتضمّن محتوى حول غرداية ومزاب والمزابيّين قطعًا !! وهو ما قد يلقى استحسانًا لدى الكثيرين، ولكن ليس هناك ما يميّزه عن غيره بل سار على منوال المؤلفات التاريخية التي اختارت المئذنة غلافًا لها.

جاء الكتاب في 359 صفحة، مقسمة إلى عشرة فصول:

1/ تنظيمات المجتمع المزابي وتشريعاته العائلية:

* جاء كمقدمة تمهيدية لباقي الفصول، لدراسة حياة المرأة في مزاب (الإطار العام) ومن أجل الإجابة عن الإشكالية المطروحة: ماهي الظروف التي دفعت هذا المجتمع العنيد والمتحمّس إلى العيش وسط هذه الربوع الخالية؟ كيف تمّ تنظيمها؟ وماهي القوانين التي تحكم مجتمعهم؟

* استعرضت من خلاله: بدايات ظهور بني مزاب، اعتقاداتهم، حكمهم….

2/ الميلاد:

* بدءًا بلحظة الولادة يليه اليوم السابع واليوم الأربعين، والعديد من التفاصيل (العادات، التسمية، الملبس، المأكل…)

* بيّنت من خلاله المكانة المميّزة التي يحضى بها المولود المزابي التي قد تبدو غريبة نوعًا ما لمجتمعات بعيدة كل البعد عن عاداتها وتقاليدها..

3/ الطفولة:

* كشفت ڨواشون الغطاء عن المعاناة الصحية التي يتعرّض لها الأطفال آنذاك.. مسكنًا، ملبسًا، تغذيةً، قائلةً: “في أعوام الطفولة الأولى تكون الظّروف المادية سيئة إلى حدٍّ ما” مع اختلاف طفيف بين الفقراء والأغنياء.

* وبالرغم من ذلك لم يغفل سكان المنطقة المجوهرات التي تتزيّن بها أطفالهم، إذ يزعمون أنّ لها دور يُمارس في وقت مبكر من عمر الطّفل ويبقى على حاله (خلخال، تِيمْشَرَّفْتْ، لَخْمُوسْ، تَابْزِيمْتْ..) والكثير من المعتقدات حولها.

* الإشارة إلى احتفاليّة الختان (تِيرَا) وما يتعلّق بها من: تحضيرات، إِيزَلْوَانْ (الأهازيج)…

* تعليمهم القيم والعادات الأخلاقية الحسنة وحسن التصرّف، خاصة للبنت في طفولة مبكرة.

* التطرق إلى تعليم المرأة في مزاب.

* الفرق بين الصيام الأول للفتاة والفتى.

* استعراض أهمّ ألعاب الفتيات وكذا المشتركة مع الفتيان على السواء، إذ كل منها لها موسمها، معدّاتها وطريقتها الخاصة، منها: الغميضة، تِيشَعْبِينْ، سِيقْ، تَاحْجُورْتْ، تَاشُورْتْ، تِيلْغَمْتْ، تِيدَّارْ، تَاكْلاَ، مُوشْ اوَّزْغَارْ… مرفقة إيّاها بكلمات وأغاني.

4/ الزواج:

* إنّ ما يميز منطقة مزاب عن غيرها إلى يومنا هو قيمة المهر الموحّدة للأغنياء والفقراء التي تتغير من زمن إلى آخر مع المساعدات التي يقدمها الأهل والعشائر، باستثناء زواج القاصرات الذي كان مسموحًا به في تلك الفترة في معظم بلاد المغرب العربي دون مزاب.

* المحافظة على الكثير من عادات وتقاليد الزفاف والعروس وتغيير بعضها والتخلي عن البعض الآخر.

5/ النساء الشابات:

* من الفصول التي أولت لها المستشرقة اهتمامًا كبيرًا كونه حلقة وصل بين الطفولة والشيخوخة ومحور مؤلفها.

* الطبخ لديهنّ بسيط جدًّا لبساطة المطبخ في مزاب بكل ما يحمله من مكونات وأشياء على عكس ما يتعلق بغزل الصوف والنسج وصناعة الألبسة، التي تبيّن وتثبت النساء الشابات المزابيات من خلاله حنّة أيديهنّ (مهارتهنّ) مثلما يُقال.

* استعراض المجوهرات وأدوات الزينة ومسمياتها التي استلهمتها من البيئة المحيطة بها.

6/ أحلام الأمومة:

* هي أحلام لطالما جسدتها المرأة المزابيّة في أهازيجها وهي: تطبخ، تنسج، تلاعب صغيرها، تلبسه ثيابه، تمشط شعره، تهدئه لينام (أَسْرَارَا)… بالإضافة إلى تحضيرات الولادة وما قبلها.

7/ الأفراح والأقراح:

* هي جزء لا يتجزأ من الحياة النسويّة في مزاب، تمثّلت أفراحها في: الولادة، عودة الزوج من السفر أو الابن الشاب الناجح في تجارته الشمالية لقضاء بعض الوقت بين أهله، رأس السنة الهجرية، عاشوراء، العيدين، المولد النبوي الشريف، الختان…

* أمّا أقراحها تمثّلت آنذاك في الأمراض ووصفات علاجها البسيطة المسماة بالطب البديل، الطلاق، الأرملة…

8/ الدّين:

* كان لابدّ لڨواشون أن تخصص فصلاً كاملاً للحديث عن الدّين، كيف لا وهو ما تراه سببًا في تلك الحياة التقية الورعة هناك، معتبرةً إيّاه واجبًا واِلتزَامًا تارةً، سيطرةً وهيمنةً على الحياة النسويّة تارةً أخرى.

9/ مغسلات الموتى يحاربن العادات البربريّة:

* إذ كان لهنّ دور كبير في عهد العادات البربرية وذلك من خلال تنفيذ قرار الإصلاح النّسوي الذي اتخذته “العزّابة” و”ماما ن سليمان” الأولى التي تتمتّع بسمعة كونها القلب المكرّس لدين الإسلام عندهم. فكان لابدّ من إفراد فصل كامل للحديث حول ذلك.

10/ الشيخوخة والوفاة:

* آخر ما كُتب عن حياة المرأة المزابيّة: متوسط عمرها، كفنها، مراسم دفنها، جنازتها…

لتختتمها كلها بخلاصة لما تضمنه المؤلف من فصول عن الحياة النسويّة في مزاب، وتلحقه بملحق لأهم وصفات المطبخ المزابيّ وما كانت تؤدّيه من أهازيج (إِيزَلْوَانْ) في مختلف مناسباتها.

 والأجمل ما يلفت انتباه القارئ في الأخير، صور نادرة ومسميات للمجوهرات التي كانت تتزيّن بها المرأة المزابيّة ليومنا هذا.

 انتهت القراءة في الأخير بجملة من الملاحظات جاءت كالآتي:

◾ بلوغ المستشرقة لهدفها من خلال تقديم صورة موضوعيّة واضحة عن المرأة المزابيّة ونمط معيشتها في بداية القرن العشرين وإن كانت ما تزال بحاجة إلى مزيدٍ من الدقة والاستقصاء، نظرًا لطبيعة الوسط النّسوي المحافظ غير المرحب بالغريب (غير المسلم خاصة) آنذاك، ممّا يصعب الوصول إلى المعلومة الصحيحة.

◾ استعادة المشهد النّسوي في تلك الحقبة التاريخيّة من وادي مزاب، خاصة ما تعلّق ب “ماما ن سليمان”، تلك الشخصية القوية القيادية العالمة الورعة بشهادة من شخصية أجنبية عاصرتها وعايشتها.

◾ اختفاء العديد من التقاليد والتفاصيل التي جاءت في المؤلف وتغيرها مع مرور الزمن، إذ لم تعد جزءًا من حياة المرأة المزابيّة في عصرنا.

◾ كتابٌ ذو طابع قصصي مشوّق للقراءة أقرب منه إلى التأريخ.

◾ شرح وتوضيح أكثر للعديد من الأمور التي كان لابدّ من إضافتها على حاشية الكتاب، دون الاكتفاء بما كتبته المستشرقة.

◾ إعادة النّظر إلى ما كتب بالمزابيّة خاصة إيزَلْوَانْ، سواء بالحروف العربية أو اللاتينية وكتابتها بالطريقة المتعارف عليها في الأدب الأمازيغي.

◾ الإطناب في الكلام واللّف والدّوران دون الوصول إلى المعنى أو الفكرة المقصودة أحيانًا.

◾ لا يكاد يخلو مؤلفًا مترجمًا عن بعض النقائص، وهو ما ينمّ في هذا المؤلف الذي بين أيدينا عن التجربة الأولى للمترجمة، بحثًا وترجمةً في الموضوع وإنجازًا بصفة عامة.

أُحيّي المترجمة الباحثة “سامية نورالدين شلاّط” على الجهد المبذول لإيصال هذا الكتاب بين أيدينا، كل التوفيق والتألّق في أعمالٍ أكثر نجاحًا. وكل الشكر والتقدير إلى دار نزهة الألباب للطباعة والنشر والتوزيع التي احتضنت هذا المؤلف الذي يحمل قيمة تاريخيّة وسوسيولوجيّة نادرة، متمنين لها تبني أعمال مستقبلية للمترجمة، كما لا ننسَى Sama Creative للإشراف والطباعة التي أخرجت الكتاب بأبهى حلّة، وكل من ساهم في إنجاحه وإخراجه.

 

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.