فكر مقالات

في النقد التشكيلي

في النقد التشكيلي

بقلم : ا. د. علي المرهج – العراق

لم يعد النقد التشكيلي رؤية انطباعية لأعمال فنان ما، على الرغم من أهمية النقد الانطباعي في توصيف العمل الفني والإحاطة بمكامن الإبداع عند الفنان وفق حمولة الناقد الثقافية والمعرفية.

لقد تطورت مهمة الناقد بفعل تطور مناهج النقد والفلسفة، ليكون مشاركاً في إنتاج المعنى في العمل التشكيلي، فمهمة الفنان مهمة إبداعية، يرسم أو ينحت أو يصور أو يُزخرف أو يُصمم على ما في الزخرفة والتصميم من صناعة تحكمها المهارة.

لا يعتمد الناقد التشكيلي على ذائقته الفنية فقط، وإن كان التعبير عن التذوق الجمالي ينبغي أن يكون واحد من مواهبه في النقد.

يُبدع الفنان التشكيلي عمله الفني، محاولاً أن يختط له خطاً في التشكيل ليرسم لنا هويته الفنية في توظيفها للإبداع الذي استقاه من مدارس الفن المختلفة، أو في خلقه لخط جمالي متفرد.

يُحاول الفنانون أن لا يأبهوا كثيراً برؤى الناقد التشكيلي، وإن أظهروا اهتماماً بكتابته حينما تكون مدحاً لأعمالهم.

وأغلب الفنانين كما الشعراء يعدون الناقد (فنان فاشل)، فقد قال الشعراء من قبل عن الناقد بأنه (شاعر فاشل)، فلم يجد له مكاناً في الشعر، فوجده في النقد.

كل رؤية نقدية لا تعتمد على قراءات مكثفة في الفلسفة والمناهجيات المعاصرة وعلومها، مثل الأنثربولوجيا، والسيمياء والتأويل والبنيوية والتفكيكية، فضلاً عن مناهج علم النفس التحليلي، وتاريخ الفن، ستظل قاصرة عن اكتشاف معان جديدة في “السطح التشكيلي”.

أعرف أن من مهمات الناقد معرفة التعامل مع اللوحة والعمل التشكيلي وفق آلياته البصرية التي تعتمد على الظل والضوء ومعرفة طرق استخدام الألوان ومزجها بوصفها علاقات تحكم السطح التشكيلي، ليمتلك معنى ما يقصده الفنان، ولكن مهمة الناقد التشكيلي، كما أحسب، ليست إدراك قصد الفنان، بل الكشف عن “المسكوت عنه” أو المعنى الضامر، أو ما لم يقله الفنان.

لا أظن أن انشغال الناقد في توصيف الخامة ونوعية الألوان وأطر اللوحات ومقاساتها من صميم اشتغالاته.

كما لا أجد أن بحث بعض النقاد عن مصطلحات ومفاهيم غربية (هجينة) ليُضمنها في مقاله النقدي صالحة في توصيف نقده بأنه مهم.

لقد قرأت الكثير من النقودات فوجدت أصحابها مُغرمين في ما أسميه “الحذلقة اللغوية” أو الإصطلاحية، بقصد إيهام الفنان والقارئ أحياناً بأن ما يكتبه له معنى!.

لم يعد النقد الفني مجرد وصف أو تفسير وربما تقييم للعمل الفني أو بحث عن أخطاء الفنان، بل التتظير والفكير في فضاء العمل الفني للكشف عن الصورة الجمالية الثاوية أو الظاهرة فيه بما يمنحه قدرة للإنوجاد ومنح الحياة قيمة جمالية جديدة، أو ما أسميه (ثراء المعنى).

إنه، أي النقد التشكيلي، مشاركة لمبدع العمل والمتلقين في فتح أفق التلقي ليكون العمل الفني ملك المتلقي (الناقد) والمتلقي العام، فمع تطور المناهج (اليوم) صار لزاماً على الناقد أن يؤدي دوره في صناعة رؤية جمالية (اجتماعية) أفضل، بل وفلسفية أرقى.

أما الدور الاجتماعي للناقد هو الكشف عن وظظيفة الفنان في مجتمعه، ومقدار تأثيره وحضور أعماله الفنية في الحياة الاجتماعية في المجتمع الذي يعيش فيه هذا الفنان.

أما الدور الفلسفي للناقد، فهو الكشف عن مقدار ما تكتنزه أعمال فنان تشكيل مبدع من أفكر لها قيمتان: معرفية وجمالية.

المعرفية هي ما ذكرت من وجود ثراء للمعنى في أعماله التشكيلية. أما الجمالية فهي المشاركة في تجميل الطبيع كما ذهب إلى ذلك فيلسوف البراجماتية الأشهر وليم جيمس، فالفيلسوف والفنان يشاركان (الذات الإلهية) في معمار الكون وتجميله ليكون صالحاً للعيش لحياة أفضل.

في الغالب الأعم يكون عمل الفنان التشكيلي الإبداعي مرتكناً لهواجس الذات وتداعيات الروح، وإن حضر العقل وثقافة الفنان، فإنما يحضران لتدعيم العمل ليكون أكثر اكتنازاً للجمال، بينما نجد عمل الناقد يرتكن للتحليل والتركيب، وهما أداتان للعقل بتمظهراته البرهانية الاستدلالية، لذا لا أتفق مع من يذهب للقول بأن من عناصر توافر الناقد هي: الخيال والعاطفة، لأنهما عرضيان بالقياس لضرورة توافر الأفكار والثقافة العامة والتخصصية للناقد لتكون هذه أدوات له في البرهنة على صحة رؤاه ومقبولية ونقده للعمل الفني ليوصف نقده بأنه نقد علمي.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.