سياسة مقالات

رسائل ترامب تجاه كاراكاس.. ثغرة في جدار الحصار الامريكي ام مناورة سياسية جديدة؟

رسائل ترامب تجاه كاراكاس.. ثغرة في جدار الحصار الامريكي ام مناورة سياسية جديدة؟

بقلم: ا. هبة داودي- الجزائر

شكل اعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب امكانية لقاء الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، والتقليل من شأن زعيم المعارضة خوان غوايدو، نقاط استفهام عديدة بشأن خطوة الإدارة الامريكية، التي دأبت على حصار النظام الفنزويلي المصنف ضمن الانظمة المناوئة في دائرة النفوذ الأمريكي، في كل من أمريكا الوسطى واللاتينية، حيث وجه القضاء الأمريكي في وقت سابق، إلى مادورو، تهمة الإرهاب المرتبط بتهريب المخدرات، كما فرض على فنزويلا سلسلة من العقوبات، موازاة مع دعم المعارضة التي يترأسها غوايدو، في مسعى لإسقاط آخر قلاع اليسار في أمريكا اللاتينية مع كوبا.

وتحدث دونالد ترامب عن احتمال عقد لقاء مع نيكولاس مادورو، مبديا استعداده للنظر في إمكانية ذلك، مقللا في نفس الوقت من أهمية المعارض رئيس البرلمان خوان غواديو، حيث قال ترامب “يمكن أن أفكر بذلك، مادورو يرغب في أن نلتقي.. ولم أعارض أبدا اللقاءات، كما تعلمون لم أعارض عقد لقاءات إلا نادرا”، ملمحا الى عدم ثقته كثيرا بغوايدو، ومعربا في نفس الوقت عن معارضته “الشديدة لما يحصل في فنزويلا”، وهو موقف مغاير تماما للمواقف الامريكية المعلنة، ويأتي ذلك في وقت سجل فيه انحصار لتأثير غوايدو، فضلا عن الجدل القائم بخصوص لجوئه إلى السفارة الفرنسية .

ويعكس تصريح ترامب نوعا من الخيبة بالنظر إلى محدودية تأثير حركة غوايدو، الذي وضع فيه أمل احداث تغيير داخل النظام السياسي الفنزويلي، وتغييره من الداخل، حيث ظل الصراع قائما منذ 23 جانفي 2019، أي منذ أكثر من سنة، على خلفية إعلان رئيس البرلمان خوان غوايدو نفسه رئيسا للبلاد بالوكالة، في محاولة منه لإقصاء الرئيس الاشتراكي مادورو، الذي بدأ ولاية ثانية بعد انتخابات قاطعتها المعارضة، ولو أن المقاطعة ليست بالأمر الجديد.

واعترفت عدد من الدول الأوروبية والولايات المتحدة بغوايدو رئيسا بالوكالة، لكن الصين وروسيا قامتا بدعم الرئيس مادورو، الذي يخضع نظامه إلى عقوبات اقتصادية مسلطة من قبل الولايات المتحدة، ونجح مادورو في الإبقاء على توازنات لصالحه، خاصة بفضل بقاء المؤسسة العسكرية وقيادات الجيش وفية له .
وسعت إدارة ترامب خلال السنة الماضية، إلى تضييق الخناق على النظام الفنزويلي، بعقوبات وحصار ضاعف من المتاعب الاقتصادية التي تفاقمت مع انهيار أسعار النفط.

وجاء اعلان ترامب ابداء استعداده لقاء مادورو، رغم تداركه لاحقا باعلان ثان يؤكد من خلاله إنه لن يجتمع مع الرئيس الفنزويلي، إلا لمناقشة رحيله عن السلطة، قائلا ”تقف إدارتي دائما إلى جانب الحرية والليبرالية وضد نظام مادورو القمعي لن ألتقي مع مادورو إلا لمناقشة أمر واحد: الخروج السلمي من السلطة”، ليعكس توجها أمريكيا متدرجا لتوظيف سياسة العصا والجزرة في آن واحد، وإحداث ثغرة في جدار الحصار الأمريكي، وشبه القطيعة القائمة بين واشنطن وكاراكاس، ويتضح ذلك عبر عدد من المؤشرات، فبعد فشل إستراتيجية الولايات المتحدة لإزاحة مادورو من رأس السلطة، اقترحت إطارا جديدا للانتقال الديمقراطي، ففي نهاية مارس 2020 قدمت خطة جديدة، من خلال حكومة انتقالية تضم ممثلين عن الرئيس الحالي نيكولاس مادورو، وزعيم المعارضة خوان غوايدو، ثم يكون الانتقال الى إجراء انتخابات حرة ونزيهة، وهو مؤشر عن تغير في موقف واشنطن الجذري السابق تجاه نظام مادورو.

كما أن الولايات المتحدة تغاضت عن سلسلة الامدادات الايرانية بالوقود لصالح فنزويلا، حيث أمدت طهران التي تعاني هي الأخرى من عقوبات اقتصادية امريكية، فنزويلا، بخمس ناقلات، رست دون ان تعترضها القوات الامريكية، ثم تبعتها سفينة وصلت لفنزويلا محملة بمواد غذائية.

واتى اعلان ايران بأن الخزانة الإيرانية حصلت على أموال خمس شحنات من البنزين، أرسلت إلى فنزويلا، الشهر الماضي، ما يعني ان فنزويلا توفرت لديها وسائل الدفع رغم العقوبات الامريكية.

وتفرض الادارة الامريكية منذ افريل 2019، حظرا على النفط الفنزويلي، بعد أن كانت كاراكاس تصدر للولايات المتحدة ما يعادل 500 ألف برميل يوميا، لتقوم واشنطن بمصادرة أصول شركة “سيتجو” التابعة لشركة النفط الوطنية في فنزويلا، تمتلك مصافي وأنابيب، وتشارك في محطات نفطية على الأرض الأمريكية، فيما تحوز آلاف محطات الوقود رخصة رفع شعار “سيتجو”، وأسندت إدارتها إلى خوان غوايدو الذي عيّن إدارة جديدة على رأس الفرع الأمريكي هناك.

بالمقابل، أعلن الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو أنّه مستعد للقاء دونالد ترمب، عقب إبداء الأخير استعداده للقاءه، وحرص مادورو على عدم الاشارة إلى مسألة مناقشة التنحي الذي أتى في ثاني تصريح لترامب.

وفي المحصلة، فإن خطوة الرئيس الفنزويلي هي في الجوهر رسالة سياسية ودبلوماسية، فلقاء ترامب يعني اعترافا في العرف الدبلوماسي بشرعية مادورو ونظامه، وإن حرص ترامب على الاشارة لاحقا بانه يلتقي مادورو بشرط مطالبته بالتنحي فحسب، ويبقى اللقاء يطرج اشكاليات عديدة بداية بتصنيف مادورو من قبل القضاء الأمريكي كارهابي ومهرب مخدرات، وهي تهم سبق للولايات المتحدة أن وظفتها لملاحقة والاطاحة بمانويل أنطونيو نورييغا مورينو الحاكم الفعلي لبنما، من 1983 إلى 1989، وكان له علاقة طويلة مع وكالة المخابرات الأمريكية، وتم خلعه من السلطة نتيجة الغزو الأمريكي لبنما، لتصدر في حقه تهم بالابتزاز وتهريب المخدرات وغسيل الاموال،.. جملة تهم وجهت له من قبل هيئات المحلفين الفدرالية الكبرى في ميامي وتامبا، ليحكم عليه ب 40 سنة سجنا، خفضت في ما بعد الى 17 سنة.

وسعت فنزويلا إلى كسر طوق الحصار الأمريكي، بالعديد من التدابير، بداية بالاستعانة بدول حليفة مثل كوبا وايران وروسيا و الصين ، وحتى الجزائر، للابقاء على تحريك آلة الانتاج النفطي، وبعث نشاط المصافي، علما ان فنزويلا تحوز اكبر احتياطي نفطي عالمي، ولديها أرخص بنزين عالميا.

كما اطلقت فنزويلا العملة الرقمية المدعومة بالنفط “بترو” ، لتدخلها في 2019 الأسواق العالمية، في محاولة لتحقيق الاستقرار للاقتصاد الفنزويلي الهش، وحددت فنزويلا سعر الوحدة الواحدة من عملة “بترو” المدعومة من الدولة 3600 بوليفار، وهي العملة المحلية لفنزويلا، مشكلة مرجعا لتحديد قيمة الأعمال وسعر الخدمات والسلع الاستهلاكية، ما جعل الولايات المتحدة تسارع إلى حظر التعامل مع العملة الفنزويلية.

وقبل ذلك، أعلنت فنزويلا عن بيع النفط وعدد من السلع بعملات غير الدولار، في محاولة للالتفاف على العقوبات المسلطة عليها، ومع ذلك فإن التدابير المعتمدة ظلت محدودة، في وقت شددت فيه واشنطن قبضتها، لكن التطورات المتلاحقة المسجلة خلال شهري ماي وجوان، أبرزت توجها أمريكيا للتقليل من حدة السجال، على خط كاراكاس واشنطن، دون أن يعني ذلك تغيرا جذريا، على غرار ما حدث مع كوبا أيضا، في فترة إدارة الرئيس الأمريكي السابق الديمقراطي باراك اوباما، والتي تحدث فيها دونالد ترامب تغييرا.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.