دراسات وأبحاث سياسة مختارات مقالات

حرب يونيو 67: مؤامرة خارجية وأخطاء داخلية – ج 3

حرب يونيو 67: مؤامرة خارجية وأخطاء داخلية

الجزء الثالث من المؤامرة الخارجية

الكاتب السياسي ا. مجدى منصور يكتب عن خفايا نكسة يونيو/حزيران 67

رسالة من أحد الأموات الأحياء!

«تعتبر حرب حزيران (يونيو) عام 1967 حداً فاصلاً بين المرحلة التي كانت فيها إسرائيل تلعب (دوراً هاماً) في إطار المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط، والمرحلة التي أصبحت فيها إسرائيل تلعب (الدور الرئيسي) في إطار المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط» التقدير الاستراتيجي الإسرائيلي لعام ٢٠٢٠م

جاءتني رسالة من أحد الناصريين يهاجمني فيها على تناولي لنكسة يونيو67 ، لأنها في رأيه «حدث مَر وانتهى ولا داعى لإيقاظ ميت» (كما قال)!

ولعلى أقول أن ما حدث في (5 يونيو 67) لم يكن مجرد حدث عابر وانتهى ، بل كان حدث «مفصلي» ، تغيرت بعده موازين القوة الاستراتيجية و السياسية قبل العسكرية في المنطقة ولا زالت حتى اليوم ، ومن يريد الدليل فعليه أن يطالع التقدير الاستراتيجي الإسرائيلي لعام ٢٠٢٠ ، والذى جاء فيه حرفياً: «تعتبر حرب حزيران (يونيو) عام 1967 حداً فاصلاً بين المرحلة التي كانت فيها إسرائيل تلعب (دوراً هاماً) في إطار المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط، والمرحلة التي أصبحت فيها إسرائيل تلعب (الدور الرئيسي) في إطار المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط».

ولكن بكل أسف أن بعض الناصريين ممن لا زالوا نائمين نومة أهل الكهف لم يستيقظوا بعد ، وأغلب الظن أنهم لن يستيقظوا لا من نومهم ولا من أوهامهم!

ولعل تلك مصيبة التيار الناصري في مصر تحديداً. أن غالبية شيوخه يعيشون في الماضي ، بينما معظم شبابه بتأثير الشيوخ عليهم تائهين بين الماضي والحاضر وأصبح من المشكوك فيه أن يجدوا طريقهم للمستقبل.

وهكذا وقع التيار بين شيوخ يعيشون حالة موات باعتناقهم الماضي فلسفةً جامدةً دون تجديد ناسين أن الحاضر تجاوز ماضيهم و يكاد يهده هداً فوق رؤوسهم .

وشباب محشورين بين أحداث ماضي يشدهم و أسئلة حاضر يُلح عليهم ويطلب منهم اجتهادات و اجابات و ورؤى وخطط للتعامل مع المستقبل القادم.

وسيظل السؤال المطروح:

هل يستطيع الشباب أن يبتعدوا عن إسار الماضي ويمدوا جسورهم بين ماضي (مجيد) ولكنه (انتهى) وحاضر (صعب) ولكنه (حياة كل يوم) ويخرجوا لمستقبل رحب مفتوح على كل الاجتهادات والاحتمالات لكل قلب ينبض بجسارة وعقل يفكر بحرية بعيداً عن هلوسة (دراويش) فاتهم قطار الحياة؟.

وأخيراً / فإنني سوف أتدخل في بعض السيقات بتعليق لإيضاح أمر ، أو لإضافة معلومة. كما أن مراجع المقال مذكورة في نهاية المقال كما أفعل دائماً.

(1)

اعتراضات أمريكية وردود إسرائيلية

« لو قامت الولايات المتحدة الأمريكية بتقديم كافة الوسائل العسكرية وحمت ظهر إسرائيل سياسياً ودعمتها اقتصادياً فإنها قادرة على الخلاص من المشكلة الكبرى لها ولأمريكا المسماة ب(جمال عبد الناصر)» طلب إسرائيلي للولايات المتحدة

جونسون وأشكول فى البيت الأبيض

لقد مشت واشنطن في مراحل متعددة ومختلفة في علاقاتها مع النظام الناصري الثوري في مصر: في البداية وفى عصر الرئيس (آيزنهاور) كانت مرحلة (الغواية). وبعد السويس وفى أعقابها دخلت أمريكا الى الشرق الأوسط بمقتضى مبدأ “آيزنهاور” وكانت تلك مرحلة (الاحتواء).

وفى عهد “كنيدي” كانت سياسة البيت الأبيض مزيجاً من مرحلتي (الغواية) و (الاحتواء) ، ويمكن وصفها بمرحلة (الحصار).

وعندما جاء “جونسون” كانت مرحلة الحصار في أوجها لأن أسباب الخلاف بين القاهرة وواشنطن زادت وتراكمت: فمن رفض القاهرة للأحلاف العسكرية ، إلى رفضها لمشروع آيزنهاور ، إلى اقامة علاقات قوية مع الاتحاد السوفيتي ، وضمنها صفقات سلاح متزايدة ، إلى بناء مشروعات ذات اثر بعيد المدى (السد العالي).

ثم إلى تلك النزاعات التي تشتعل مرة وتخبو مرة بين النظام الثوري في القاهرة ونظم تقليدية صديقة للولايات المتحدة الأمريكية ومعتمدة عليها في الحماية (السعودية وبقية نُظم الخليج) ولدى هذه النُظُم مصالح بترول أصبحت مكشوفة عندما تحقق تواجد مصري (سياسي – عسكري) في شبه الجزيرة العربية بعد ثورة اليمن ، ثم رفض مصر عقد اتفاقية صلح وسلام مع إسرائيل تنفتح بها المنطقة لخريطة أمريكية إسرائيلية بالكامل.

تعليق:

ولعل ملخص العلاقة بين القاهرة وواشنطن جاء على لسان الزعيم جمال عبد الناصر في المقابلة الأولى له مع السفير الأمريكي بعد نكسة يونيو67 ، في 6 يناير 1968 ، وحسب التقرير الذى أرسله دونالد بيرجس (المشرف على المصالح الأمريكية بعد أن قطعت مصر العلاقات الدبلوماسية مع الولايات المتحدة الأمريكية) للخارجية الأمريكية والذى جاء فيه عدد من النقاط أهمها:

أن الرئيس ناصر قال له : «أنه لا يستطيع بدء مرحلة جديدة في العلاقات مع الولايات المتحدة لأن هناك بين البلدين شكوكاً مأساوية».

وأضاف الرئيس ناصر (حسب تقرير بيرجس) «إذا قلت لك أننى أستطيع الأن أن أنتقل إلي مرحلة جديدة من الصداقة مع أمريكا فلن أكون نفسى ، من الصعب على جداً أن أثق بحكومة الولايات المتحدة بعد كل ما مضى».

وعن تقييم العلاقة بين مصر والولايات المتحدة قبل (حرب يونيو) قال الرئيس ناصر:

«سوف أحدثك بصراحة ، إنكم طوال الوقت كنتم تحاولون أن تقيدوا تحركاتنا ، وتعيقونا عن العمل ، وتحاولون فرض وصايتكم علينا وعلى سياساتنا ونحن في المقابل كنا نرفض ذلك ونحاول دائماً أن نندفع الى ما كنا نراه صائباً لنا ولمصالحنا بصرف النظر عن رأيكم فيه».     

ويضيف السفير بيرجس في تقريره : إنني قلت للرئيس ناصر «أن ثقتك فينا قليلة».

فرد على الرئيس ناصر مبتسماً وقال:  

«أكثر من القليل بشوية »! 

انتهى التعليق وعودة من جديد للسياق.

ومنذ منتصف فترة رئاسة كنيدي وإسرائيل تُلح على كافة الأجهزة الرسمية والخفية في الولايات المتحدة الأمريكية على فكرة «أنه لو قامت الولايات المتحدة الأمريكية بتقديم كافة الوسائل العسكرية وحمت ظهر إسرائيل سياسياً ودعمتها اقتصادياً فإنها قادرة على الخلاص من المشكلة الكبرى لها ولأمريكا المسماة (جمال عبد الناصر)».

وزاد الإلحاح على تلك الفكرة مع الرجل الذى خلف (كنيدي) بعد اغتياله (ليندون جونسون) بشكل أكبر وأعمق.

 (2)

الاعتراضات الأمريكية

«البديل لحركة القومية العربية إذا ضُربت في القاهرة واحد من اثنين: إما التيار الشيوعي الموالي بالكامل لموسكو ، وإما التيار الديني الذى يحلم بخلافة جديدة تقوم على الكتاب والسيف» تقدير أمريكي

على أن جونسون ظل حتى قرب نهاية 1966 يحاول مع مصر ويشجعه على استمرار المحاولة وتأجيل الضيق ونفاذ الصبر (من وجهة نظر أمريكية) مدرسة مشرقية لها مجموعات مؤخرة في وزارة الخارجية ووزارة الدفاع  وحتى في وكالة المخابرات المركزية ، وكان ملخص آراء هذه المدرسة (المشرقية) الأمريكية كما تصوره الوثائق الأمريكية:

* أن البديل لحركة القومية العربية إذا ضُربت في القاهرة واحد من اثنين: إما التيار الشيوعي الموالي بالكامل لموسكو ، وإما التيار الديني الذى يحلم بخلافة جديدة تقوم على الكتاب والسيف.

* أن حركة القومية العربية في نهاية المطاف هي قوة تحديث في العالم العربي ، وأن العناصر التقليدية المعادية لها في المنطقة لا تستطيع صُنع (عالم عربي جديد) ، ولكن على العكس فإنها سوف تأخذ منطقة الشرق الأوسط كلها إلى الوراء وهذا يحولها لساحة فراغ يقبل كل الاحتمالات.

* أن مشروع (ناصر) الطموح مازال ممكناً (إغراؤه) بأن (يدعم) نفسه في مصر (ويكُف عن التدخل في شئون بلاد أخرى) إذا أوفت أمريكا بوعدها لمساعدته في عملية تحديث تُساير أحلامه وتُغطى على (أوهامه الامبراطورية) فذلك كان تصور أمريكا لحركة القومية العربية.

* وفى الواقع فإن هذه المدرسة لم تتوقف عن (تذكير جونسون) حتى قُرب اللحظة الأخيرة بأن (ناصر) في كل ما قام به كان في موقف (رد الفعل) وليس (الفعل).

* كذلك كان في مقاومته للاحتلال البريطاني لبلاده ، وفى تأميمه لقناة السويس ، وفى التعويض عن التخلف بالفقر إلى التقدم سواء كان ذلك بالسد العالي الذى دارت حوله معركة السويس ، أو ببرامج التصنيع التي تبدو (متخطية لقدراته أحياناً) ، وحتى (غزو ناصر لليمن) كما تسميها الوثائق الأمريكية فإن المدرسة (المشرقية) في وزارة الخارجية اعتبرته نوعاً من الرد على (مؤامرة الانفصال بين سوريا ومصر).

* إن التدخل علناً ضد (ناصر) كفيل بأن يحول (الشارع العربي) إلى شلال نار يهدر عداء للولايات المتحدة ، وذلك معناه أن الولايات المتحدة سوف تجعل نفسها العدو رقم (1) للأمة العربية ، في حين تتراجع إسرائيل إلى العدو رقم (2) ، وذلك وضع لا مصلحة لأمريكا فيه ، بالإضافة أن ذلك خطر مُحقق على المصالح الأمريكية في المنطقة وعلى الرعايا الأمريكيين فيها ، وحساب ذلك سوف يوضع عليه (أي جونسون) شخصياً في حال وقوعه.

* بل إن التهديد الناشئ منه واصل بالتأكيد إلى المصالح الغربية ومواطني دول الغرب جميعاً ، وذلك سوف يستوجب لوماً للولايات المتحدة حتى من أقرب أصدقائها وأخلص حلفاءها.

* إن مثل ذلك سوف يؤدى للإساءة إلى صورة الولايات المتحدة الأمريكية في العالم الثالث نظراً لصدقات ناصر في آسيا وأفريقيا ، وصورة الولايات المتحدة لا تحتاج إلى تشويه زائد لأن فيتنام تكفلت بما هو كافٍ وأكثر.

(3)

الردود الإسرائيلية

«إن الخوف من حركة القومية العربية هذه اللحظة لا داعى لقبولها قدراً محتوماً ، لأن العالم العربي تحول في السنوات الأخيرة إلى معسكرات وفرق متقاتلة فكرياً وسياسياً وعسكرياً. وبالتالي فإن الشارع العربي يعيش الأن حالة تمزق في ولاءته» رد إسرائيلى على تقدير أمريكى

الرئيس الأمريكي ليندون جونسون ورئيس الوزراء الإسرائيلي ليفي أشكول ويظهر بالخلف شيمون بيريز

 

تُجمع كافة المصادر أنه في الفترة ما بين أوائل عام 1967 وحتى منتصف إبريل من هذه السنة استطاعت إسرائيل إقناع ليندون جونسون بأنها « قادرة ، ولديها الإرادة وتمتلك الاستعداد» (حسب تعبير الجنرال إسحاق رابين رئيس الأركان وقتها ، وقديس السلام لدى العرب المعتدلين فيما بعد!) للقيام بعملية عسكرية قوية ضد مصر تؤدى إلى اسقاط (نظام ناصر) أو على الأقل (إسقاط هيبته) ، وأن ذلك سيكون في صالح الولايات المتحدة كما هو في صالح إسرائيل.

وكما هو ظاهر من الوثائق الأمريكية أنه في تلك الشهور استطاعت اسرائيل أن ترد على تحفظات الرئيس الأمريكي (بتأثير المدرسة المشرقية في واشنطن) تحفظاً بعد تحفظ:

* أنه لا داعى للقلق بأن يكون البديل لحركة القومية العربية واحداً من الاثنين (الأحزاب الشيوعية أو الأحزاب الدينية) فذلك قلق لا مبرر له (طبقاً لتقرير كتبه لوك باتل سفير أمريكا في القاهرة في فبراير 1967) لأن عملية الحراك الاجتماعي التي جرت نتيجة لعملية التنمية الشاملة في مصر أدت إلى خلق قوى اجتماعية وسياسية موجودة الان على الساحة ، وهى قوى متنورة لا تقنعها الدعاوى الشيوعية بضرورة سيطرة البروليتاريا ، ولا يكفيها في العصر الحديث أن (تُصلى وتصوم) فتلك ناحية مهمة في حياتها ، لكن حياتها في هذه الدنيا لها مطالب وشروط أخرى.

* إن مخاوفه (أي جونسون) من حركة القومية العربية هذه اللحظة لا داعى لقبولها قدراً محتوماً ، لأن العالم العربي تحول في السنوات الأخيرة إلى معسكرات وفرق متقاتلة فكرياً وسياسياً وعسكرياً( فى اليمن).

وبالتالي فإن الشارع يعيش الأن حالة تمزق في ولاءته تساعد عليها زيادة الثروة النفطية لدة الدول العربية التقليدية الصديقة لواشنطن ، وبالتالي فإنه الأن وليس غداً يُمكن الوثوق إلى أن موازين التأثير لا تسمح بتعبئة شعبية من الخليج إلى المحيط كما كان يحدث من قبل (وكان آبا إيبان وزير خارجية إسرائيل أكثر الشارحين لتلك النقطة).

تعليق:

من مُطالعتي للوثائق الأمريكية والإسرائيلية وجدت أن هناك اختلاف في النظر  لمصادر (قوة) مصر الناصرية والتحسب لها والتخوف منها.

ففي حين أن الولايات المتحدة الأمريكية كانت تخشى (الشارع) العربي المتحمس دوماً لعبد الناصر والمؤيد له و لسياساته.

كانت إسرائيل تخشى وتتحسب (للتطور الاجتماعي) الذى يقوم به عبد الناصر ، والذى حتماً سيُساهم في بناء إنسان مصري جديد. كما كانت تخشى (التقدم العلمي) الذى تحرزه مصر الناصرية وما ينعكس من أثاره على تقدم جيش عبد الناصر وسلاحه (تقليدي أو غير تقليدي).

أي أن أمريكا كانت تخشى (تثوير) الشارع العربي ، بينما إسرائيل تخشى (تطوير) الانسان المصري. والمدقق سيجد حتماً خيطاً رفيعاً يربط العلاقة بين (تثوير) الشارع العربي و(تطوير) الانسان المصري.

انتهى التعليق وعودة للسياق.

* وكانت لدى جولدا مائير (التي انتقلت من الوزارة إلى رئاسة الحزب) (فتوى) بأن جمال عبد الناصر في (حال مواجهته لصدمة قوية) لن يجد بجانبه نظاماً عربياً يسنده ، بل إن أنظمة عديدة ، وبينها أنظمة تُبدى الصداقة والود حياله (الكويت و لبنان والعراق والجزائر) سوف تكون سعيدة إذا وجدته يختفى من الساحة ، أو إذا وجدته (مسخوطاً) في حجم أصغر ، هذا على فرض أنه ظل في مكانه بعد الصدمة.

وروت (جولدا مائير) أنها سمعت نقلاً عن الملك (الحسن) ملك المغرب أنه «لن يذرف دمعة على ناصر إذا واجه مصيره المحتوم».

جولدا مائير والملك الحسن الثاني بن محمد (ملك المغرب)؛ الذي يوصف بالصديق الوفي لإسرائيل

تعليق:

وفيما بعد نقل الجنرال موشى ديان في مذكراته عن الملك الحسن قوله له مباشرةً: «إنه لم يشعر طوال عمره بتعاطف مع جمال عبد الناصر ، لأنه رجل لم يكذب على أعدائه فقط ، وإنما كذب على اصدقائه أيضاً».

 انتهى التعليق وعودة للسياق.

* إن تقدير جونسون لمشروع ناصر التحديثي قضية تستحق إعادة المراجعة ، فهذا المشروع إذا حقق أهدافه حتى داخل حدود مصر (وحدها) سوف يتحول بقوة الأشياء إلى (مشروع نموذج) يُحتذى به من بقية العرب ، وذلك يُعيد تأثير مصر على العالم العربي ولا يُقلصه ، وأي شيء أخر (سراب) يتوهمه بعض (الموظفين) في وزارة الخارجية الأمريكية من بقايا موظفي شركات البترول العربية القدامى الذين فقدوا اتصالهم بأخر التطورات (وكان السفير الإسرائيلي جدعون رافائيل أنشط دعاة هذه الفكرة).

* إنه حتى شركات النفط العاملة في المنطقة (التي كانت تخشى على مصالحها وتراعيها) ، بدأت تأخذ لنفسها منحى آخر ، فقد تغيرت الظروف من زمن كانت هذه الشركات تحرص فيه على مشاعر الرأي العام العربي وتدعوا إلى تجنب استثارته – إلى زمن تجد فيه هذه الشركات أن النظم العربية التي منحتها امتيازات النفط تواجه هي نفسها من الرأي العام العربي ضغوطاً تُثير هواجسها وتدفعها أحياناً إلى التردد وإلى التشدد مع الشركات ، والتحريض المولد لهذه الضغوط قادم من القاهرة (وتظهر في الوثائق الإسرائيلية مجموعة تقارير متواصلة لشركة جولف وهى من كبريات الشركات الأمريكية العاملة في الخليج ، تشكو من مظاهر عدائية تواجه نشاطها في المنطقة و(تشوش عليه) حتى على مستوى الدول ، وبخاصة في (الكويت) حيثُ أصبحت عائلة (الصباح) تخاف من نفوذ القوميين العرب.

ديان يُقدم الحُجة القاطعة

*  ثم قدم الجنرال (موشى ديان) أكثر الحجج إقناعاً (لليندون جونسون) في لحظة نفسية قاسية (الموقف السيئ للجيش الأمريكي في فيتنام وقتها) ، وكان عرض ديان لحجته الحاسمة بما معناة : «إن الجيش الإسرائيلي قادر على الحاق هزيمة مؤكدة بالجيش المصري في الظروف الراهنة وهذه حقيقة أقرها (رؤساء أركان حرب القيادة الأمريكية) أنفسهم وفى حضور (روبرت ماكنمارا) وزير الدفاع في اكثر من مؤتمر مشترك (1966-1967) في اطار التنسيق الاستراتيجي بين أمريكا وإسرائيل.

الجنرال ديان قدم اكثر الحجج اقناعاً للرئيس الأمريكى ليندون جونسون

 

 وما يعرضه الجنرال (ديان) أنه إذا «تكفلت الولايات المتحدة بمنع الاتحاد السوفيتي من التدخل في مسار معركة في الشرق الوسط بين إسرائيل و مصر ، وهذا ممكن في رأيه ، بل أنه سهل نظراً للأحوال السياسية والاقتصادية في الاتحاد السوفيتي ( وأيضاً نظراً لسوء علاقات الاتحاد السوفيتي بالصين وتوجسه منها ، إلى جانب كل أعباء حرب فيتنام التي تتحملها موسكو وهى فادحة) فإن إسرائيل تستطيع حسم المعركة لصالحها بسرعة».

 * بالإضافة وهنا ديان يضرب على الوتر الحساس لجونسون ، يضيف ديان «إن انتصار إسرائيل (المحقق) سوف يؤدى بالضرورة إلى هزيمة الاتحاد السوفيتي ، بمنطق أن هزيمة أصدقائه هي هزيمة له ، وليس في مصر وحدها وإنما في كل مكان بما في ذلك فيتنام».

* وهكذا يلوح ديان أخيراً فإن جونسون الذى يزعجه دور الاتحاد السوفيتي في جنوب شرق أسيا لديه فرصة لضرب الاتحاد السوفيتي ذاته في الشرق الأوسط ضربة تصل موجاتها عائدة لفيتنام.

وكان جونسون يتحرك كل يوم ، وحسب ما رواه أحد معاونيه في مجلس الأمن القومي وهو «وليام كوانت» بعيداً عن منطقة الضوء الأحمر (انتظر) مقترباً من منطقة الضوء الأصفر (استعد). 

(4)

أشكول وجونسون وبينهم عبد الناصر!

«الظروف المتشابهة بينهم جمعت بينهم والحوار بينهم لم يعد لغة مصالح واستراتيجيات فقط ولكن دخل إليه نبرة دفء إنساني مما تصنعه العواطف البشرية».

تجمع الوثائق الأمريكية والإسرائيلية أن جزء (أقول وأكرر جزء وليس كل) من التقارب الكبير الذى حدث بين إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية في تلك الفترة عائد لتقارب الكيمياء الشخصية للرجلين الذين كانا على رأس دولتيهما في ذلك الوقت (ليندون جونسون) في أمريكا  و (ليفي أشكول) في إسرائيل ، فالظروف المتشابهة بينهم جمعت بينهم والحوار بينهم لم يعد لغة مصالح واستراتيجيات فقط ولكن دخل إليه نبرة دفء إنساني مما تصنعه العواطف البشرية.

وتشابه الظروف بين الرجلين أوجدته مجموعة عوامل :

* كلاهما جاء بعد شخصية غير عادية بلغت درجة (البطل) أو درجة (النجم) وفى حالة (أشكول) فإن (البطل) قبله كان (بن جوريون) مؤسس الدولة اليهودية. وفى حالة (جونسون) فإن (النجم) قبله كان (كنيدي) والذى بشر بحدود جديدة.

* وخلافاً (للبطل) و (للنجم) فقد كان الرجلين الذين خلفهما رجلين من النوع (العادي) الخالين من أي وهج مما يصنع (البطولة) أو يجذب الأضواء على (النجم).

* كما أن الرجلين اشتركا في كراهية الرجل الذى جمع المجد من طرفيه (البطولة) و(النجومية) معاً وهو (جمال عبد الناصر). كان أشكول يقول عن عبد الناصر «أنه الخطر الأكبر على مستقبل إسرائيل» ، بينما جونسون كان يقول عن ناصر« إنه يُشبه الديك الرومي الذى يمشى مختالاً بنفسه في المنطقة»!. 

* كما أن العلاقة بين الرجلين أشكول وجونسون كانت علاقة اعتماد متبادل. فجونسون بحاجة لأشكول في (زيادة اعتماده على يهود أمريكا). وأشكول بحاجة لجونسون في (زيادة المساعدات العسكرية والاقتصادية لإسرائيل).

* وكان بين الرجلين وجه شبه أخر تظهره الوثائق الإسرائيلية بشدة وهو أن كليهما واقع تحت ضغوط المؤسسة العسكرية في بلده بما جعله يجهر بالشكوى:

جونسون يضغط عليه العسكريون الأمريكيون (وأولهم الجنرال ويستمور لاند) يطلبون تدخلاً أكبر وأعمق في فيتنام الشمالية لإسقاط نظام (هوتشى منه) العتيد.

وأشكول يضغط عليه العسكريون (وبالذات ديان ورابين ووايزمان وشارون) وكلهم يطلب إليه استعمال القوة بسرعة للخلاص من حركة القومية العربية كما يمثلها (عبد الناصر) العنيد

* وكلاهما أشكول وجونسون كانا يريدان أن يثبتَوا أمام جمهورهم الأمريكي والإسرائيلي أنهم ليسوا أقل ممن سبقوهم ، إن لم يكونوا أفضل وبالتالي كانا يريدان أن ينتهوا من مشاكلهم الكبيرة. فجونسون يريد الانتصار على هوتشى منه الذى لم ينتصر عليه كنيدي ، وأشكول يريد محو عبد الناصر الذى لم يستطيع بن جورين هزيمته ، وبالتالي تثبت البطولة والنجومية لكليهما وبضربة واحدة.

* ومن المفارقات أن كلا الرجلين في تلك الفترة كانا وقعان في غرام إمرأة أصغر منه :

أشكول في غرام زوجته الثانية (مريم) و(هي تبلغ 35 عاماً وهو69 عاما) ، وقد نسى من أجلها زوجته الأولى ووجد السعادة معها في حياته (على حد قوله لسكرتيره إسرائيل ليور).

ليفي أشكول (أكتوبر 1895 – فبراير 1969)) وزوجته مريم أشكول (يونيو 1929 – نوفمبر 2016)

 

و جونسون في غرام (ماتيلدا كريم) و(هي تبلغ 34 سنة وهو 65)!

الرئيس ليندون جونسون (27 أغسطس 1908 – 22 يناير 1973) وماتيلدا كريم (مواليد يوليو 1926م)

 

والحقيقة أن الأوراق تؤكد ذلك ، ولعل التوافق بين شخصيتي الرجلين فعل فعله لأن العوامل الموضوعية في التعامل بين البلدين (أمريكا وإسرائيل) دعت إلى تقارب اكثر ومن هذه العوامل الموضوعية (درجات عالية من التعاطف النفسي، والتلاقي السياسي ، والاتصال المؤسسي تربط إسرائيل بالولايات المتحدة) وقد دفعت كلها إلى ضرورة الفعل المباشر في توقيت محدد بالذات إزاء هدف محدد بالذات في منطقة محددة بالذات : يهدد مصالح حيوية لأحدهما (البترول للولايات المتحدة الأمريكية) ويهدد أمن الثاني (وهو أمن بمعنى الفوق والتوسع).

و لازال الطريق إلى 5 يونيو 67 مليئاً بالأسرار التي تتكشف وتنجلي يوماً بعد يوماً وعاماً بعد عام ولكن «الدراويش» لا يقرأون لأنهم غارقون في غياهب النسيان.

المراجع:

الوثائق الإسرائيلية – محمد حسنين هيكل.

المفاوضات السرية بين العرب وإسرائيل – محمد حسنين هيكل.

 ستة أيام من الحرب  حزيران 1967 وصناعة شرق أوسط جديد – ميشيل ب. أورين .

اسرائيل وأميركا وحرب 1967 – مركز الامارات للدراسات.  

 

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.