فكر مقالات

عادل ضاهر والأسس الفلسفية للعلمانية

سلسلة مفكرون عرب 4:
عادل ضاهر والأسس الفلسفية للعلمانية

بقلم: ا.د. علي مرهج

عادل ضاهر مفكر من مواليد جبل عامل في لبنان، درس في الجامعة الأمريكية في بيروت، ومن ثم سافر لأمريكا للحصول على الدكتوراه من جامعة نيويورك 1967، فكتب أطروحته في فلسفة الدين بعنوان (الله، الحقيقة والضرورة).

درَس في العديد من الجامعات الأمريكية والغربية، أما في الجامعات العربية فقد درّس في الجامعة الأردنية بعمان، ومن ثم ترأس مجلة (الجمعية الفلسفية العربية) في الأردن.

مفكر من طراز خاص، يُجيد التنظير الفلسفي خارج هيمنة النصوص وسطوتها، يُنتج رؤيته بقدرة تُضاهي قدرة الفلاسفة التحليليين إن لم يكن واحداً منهم…

من أهم مؤلفاته:

ـ الأخلاق والعقل ـ نقد الفلسفة الغربية. والفلسفة والسياسة. و الأسس الفلسفية للعلمانية. وأولية العقل، نقد أطروحات الإسلام السياسي. والفلسفة والمسألة الدينية. نقد الفكر السياسي في الغرب.

أظن أن صفة فيلسوف عربي تصح على عادل ضاهر لأنه لا يُعيد شرح النصوص، فهو ليس بشارح، ولكنه يُتقن اعادة إنتاج الرؤى بما يجعلها متسقة وموظفة لصالح استنتاجاته.

عادل ضاهر ظاهرة فلسفية عربية بامتياز، يجيد طرح السؤال الفلسفي بما يجعل من الفلسفة منهجاً في النقد لا ينبني وفق سياقات الفكر العربي الحديث والمعاصر في التغريب أو التتريث، في السير وفق تقديس أنموذج ما واستنساخ الرؤية لآخر سواء أ كان هذا الأنموذج انموذجاً تراثياً أو حداثياً.

ما يجعلنا نصف عادل ضاهر بصفة فيلسوف أنه طرح رؤيته النقدية غير خاضع لهيمنة كل السلطات المعرفية والأيديولوجية والعقائدية، والغريب المثير والعجيب أنك حينما تُقلب صفحات كل أو جُلَ موسوعات التعريف بالمفكرين العرب المعاصرين لا تجدها تتناوله!.

هو أول من كتب عن فلسفة الدين في (الموسوعة الفلسفية العربية) التي حرر أجزائها الثلاث د.معن زيادة، وهو من كتب كتاباً مهماً في نقد المعرفة الدينية هو كتابه المعروف (الفلسفة والمسألة الدينية)، ولم يخرج كتابه (الأسس الفلسفية للعلمانية) عن منهجيته التحليلية في نقد المعرفة الدينية، فهو كتاب في (فلسفة الدين) رغم ما في عنوانه مغايرة لاشتغالات فلاسفة الدين.

ينتقد عادل ضاهر لجوء كثير من المفكرين العلمانيين من أجل الدفاع عن صحة توجههم العلماني باللجوء إلى التراث ومحاولتهم دعم مقولاتهم بالاعتماد على أقوال في النص المقدس (القرآن) أو أحاديث النبي (ص) أو سيرته وبعض أقوال الصحابة والتابعين أو ما جاء على لسان مُفكرين أو فلاسفة مسلمين يستخرجونه من سياقاته التاريخية ليجعلوا منه أنموذجاً يُحتذى في مقبولية مقولة العلمانية.

يرفض في كتابه “أولية العقل” قبول فكرة أن تكون هناك “دولة إسلامية ديمقراطية”، لأنه يرى أن “العلمانية شرط ضروري، لإقامة نظام ديمقراطي عادل”، علماً أن فرائض الإسلام خمس، ولم يؤكد الإسلام على أن تكون الدولة فرضاً من فروضه.

حاول عادل ضاهر في كتابه (الأسس الفلسفية للعلمانية) تجاوز الخوض في شرح معنى العلمانية بوصفها حلاً لمشكلة العلاقة بين السلطة الدينية والمدنية، لأنها من قبيل تحصيل الحاصل، لذلك كرس جهده للبحث في طبيعة المعرفتين: الدينية والمدنية أو الزمنية، ليكشف عن المسوى “الأبستيمولوجي” بين الدين والقيم، ومحاولة تأكيد أن الفصل بين السلطتين إنما يقوم على فصل أعمق، فصل “أبستيمولوجي” ومنطقي بين الدين والسياسة، ليفكك مقولة القائلين أن (الإسلام دين ودولة) كونهم يخلطون بين ما هو تاريخي وبين ما هو منطقي، بعبارته.

ميّز في كتابه هذا بين نوعين من العلمانية: “العلمانية الصلبة” والعلمانية المرنة”، وهو يميل لتبني العلمانية الصلبة التي تتخذ موقفاً رافضاً لدمج الدين بالدولة أو بالسياسة، لا العلمانية المرنة التي يتخذ أصحابها موقفاً حيادياً من القائلين بفكرة الدمج بين الدين والدولة، لأن هكذا فكرة غير مقبولة لا وفق الشروط التاريخية وامكانية تحققها من عدمها، بل لأن الشروط الطبيعية للوجود، بل والعقلية والمنطقية لا تؤيد وجود دولة (كليانية) تستمد وجودها من النص المقدس أو من الغيب.

إن الدولة العلمانية بطبيعة تكوينها تسمح بوجود تنوعات دينية وعرقية أو أثنية، على أن تكون ممارسات أصحابها العقائدية شأن فردي، ولا تقبل بتعميم العقيدة (الجماعاتية) لتحكم بها باقي التنوعات الأثنية في الدولة المتعددة المذاهب والأديان والطوائف، لأن من أساسيات الدولة (العلمانية الديموقراطية) هو الإرادة الشعبية، وعدم استئثار جماعة أو فرد بالسلطة، بما يُتيح لكل أبناء المجتمع المشاركة في الحياة السياسية.

يطرح عادل ضاهر معالجته الفلسفية لهذه الموضوعة (الإشكالية) في الثقافة العربية والإسلامية في محاولة منه لتجاوز فكرة اللجوء للدفاع عن موقفه عبر الاستعانة بالنصوص الدينية والتراثية.

يطرح رؤيته عبر تساؤل خطير مفاده أن المجتمع لو لم تكن فيه نصوصاً مُقدسة ومعرفة دينية بُنيت على أساس هذه النصوص، هل يحتاج بالضرورة للمعرفة الدينية كي يُنظم الحياة؟.
يذهب عادل ضاهر لتبني الرأي الذي يؤكد فيه على أن الله أعطى الإنسان القدرة على أن يحصل على المعرفة المطلوبة لتنظيم شؤون حياته دون اللجوء للدين.

إن القول بانتاج المعرفة العلمية وفقاً لمعطيات المعرفة الدينية لهو ضرب من ضروب الوهم ادعته الحركات الاسلامية الراديكالية في مجتمعاتنا، لأن المعرفة العلمية ليست بالضرورة مُتضمنة منطقياً في المعرفة الدينية، لأن هناك أناساً أنتجوا معارفاً علمية وهم لا دينيون، ومن يعتقد أنه لا يستطيع إنتاج المعرفة العلمية بمعزل عن المعرفة الدينية، فهذا أمر مرتبط باحساسه بالعجز الذاتي، وليس لأسباب نظرية أو منطقية، لذلك نجده يؤكد في كتابه “الفلسفة والمسألة الدينية” (أن الوجود مُلغز، ولكن خيار الإيما بالله لا يحل لغز الوجود أكثر من خيار الإلحاد، بل إنه يدفع بلغز الوجود إلى مستوى أعلى، فتكون نتيجته أنه يُضيف لغزاً على لغز).

ناقش عادل ضاهر المتدينين وفندَ أطروحتهم بربط المعرفة العلمية بالمعرفة الدينية عبر الكشف عن الطبيعة المنطقية للقضايا التي تُشكل موضوعات ممكنة للمعرفة العلمية، ليُبين أن قضايا المعرفة العلمية هي قضايا ذات طبيعة منطقية مُغايرة لطبيعة القضايا التي هي من نوع قضايا المعرفة الدينية، لذلك فلا يُمكن لعاقل أن يقبل القول بتوافق القول العلمي مع القول الديني من جهة كون قضايا الأول احتمالية ظنية أو ممكنة وجائزة منطقياً، بينما قضايا المعرفة الدينية هي ضرورية تكون الضرورة فيها “صفة وراثية منطقياً”، بعبارة عادل ضاهر.

لا يُناقش عادل ضاهر القول بأن الله كلي الخير، ولكنه يفترض أن الله لا يأمرنا بأن نفعل ما يتعارض مع ما يستوجب القيام به، في الوضع المُعطى، أو المُعاش، أو ما أسماه عادل ضاهر”الاعتبارات الخُلقية الأقوى”، لذا فإن اللجوء إلى الاعتبارات الدينية لا يُمكن أن يُشكل نهاية المطاف كما يذهب إلى ذلك السلفيون والأصوليون، لأن الله ليس بمستغنٍ عن الاعتبارات العقلية، الأمر الذي يجعلنا أميل لقبول فرضية “أن الله لا يتصرف مُطلقاً على نحو مُغاير لمستلزمات العقل، وأن العقل يستلزم اعطاء الأولوية للاعتبارت المعيارية (القيمية أو الأخلاقية) على الاعتبارات الدينية. إذن لا يُمكن أن يكون الله قد أمر الإنسان بتنظيم شؤون حياته وفق الاعتبارات الدينية، لا الاعتبارت المعيارية (الأخلاقية) المستقلة عن المعرفة الدينية.

يخلص عادل ضاهر لنتيجة مفادها القول بـ “الأسبقية الأبستيمولوجية (المعرفية) للأخلاق على الدين، يعني أن العقل الإنساني لا يُمكن أن يعرف ما الذي يُريده الله ، إلَا إذا كان الإنسان قادراً أن يعرف ما الذي يُريده منَا الله فإن عقله مُزود بوظيفة معيارية ـ جوهرية”. وهذا يعني أن الله هو الذي أعطى أو منح الإنسان هذه القدرة على أن يعرف ما الذي ينبغي عليه أن يفعله على صعيد تنظيم حياته سياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا بدون العودة للدين.

انتقد عادل ضاهر فهم كلا التوجهين التراثي والحداثي للعلمانية في الفكر العربي الحديث والمعاصر لأن كلا التوجهين إنشغلا بالسمات العامة للعلمانية وفق انتماءاتهم الأيديولوجية وفق المثل القائل (كل يبكي على ليلاه) وتلك هي أفاعيل الدوغمائيين الأيديولوجيين، لذلك نجد عادل ضاهر يشتغل على منطقة (التحليل الأبستيمولوجي) لشكلين من المعرفة وتحديد المنطلقات المعرفية لكلا الشكلين من دون الخوض في امكانية ردم الهوة بين هذين الشكلين على المستوى الأيديولوجي الظاهر للعيان.

لا ينفي عادل ضاهر ولا يُنكر الشروط التاريخية لنشوء العلمانية في الغرب، لكنه يُحاول أن يكشف لنا السمات الكامنة في مفهوم العلمانية أبستيمولوجياً أو معرفياً، ليركز لنا على مفصل مهم في الإسلام ألا وهو (المصلحة)، فالإسلام يدعو لتقديم (المصلحة العامة) على الدين، وتلك من السمات الكامنة والمشتركة في الفكرين العلماني (المعرفي والديني (الإسلامي)، وقد تنبه لهذه الفكرة أيضاً محمد عابد الجابري في كتابيه (العقل السياسي العربي) و (الدين والدولة وتطبيق الشريعة).

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.