أسرة وطفل مختارات مقالات

صراعات في داخل المراهق

هذه المقالة مقتبسة من كتاب “المراهقة” للدكتور عبد الكريم بكار:

 صراعات في داخل المراهق

لا يصبح الإنسان راشداً ومتوازناً بسهولة، وبما أن المراهقة هي مرحلة انتقالية بين الطفولة والرشد، فإن لنا أن نقول: إنها مرحلة مخاض واستعداد لولادة جديدة، وهذا يعني أن المراهقة هي مرحلة اكتشاف للذات وللإمكانات ومرحلة تحسس للمستقبل الاجتماعي الذي ينتظر المراهق، وهذا الاكتشاف لا يتم بسلاسة، وانما عبر سلسلة من الصراعات والأخطاء والتجارب المريرة، ولعل أهم ملامح تلك الصراعات الآتي:

أ. مشاعر النقص والكمال: يلاحظ المراهق بقوة نقاط القوة لديه على الصعيد العقلي والجسمي والسلوكي، كما يلاحظ ما للأسرة من مكانة على الصعيد الاجتماعي، وهذه الملاحظة تجعل المراهق يشعر بالثقة بالذات وبشيء من الزهو والتفوق على الأصدقاء والزملاء، صحيح أن رؤيته لكل ذلك كثيراً ما تفتقر إلى الوضوح والاتزان، لكن تركيزه على الميزات التي لديه ومبالغته في ذلك يولد لديه الكثير من مشاعر الرضا، ويبدأ الصراع حين يحتك بالزملاء والأصدقاء وأبناء الجيران، ويدخلون جميعاً في تسابق للبرهنة على التفوق الشخصي والاجتماعي، حيث يكتشف كثير من المراهقين من خلال المقارنة المكثفة نقاط الضعف لديهم على الصعيد الجسمي والذهني والاجتماعي، وكثيراً ما يكون للألعاب الجماعية دور مهم في هذا، حيث يجد المراهق نفسه أحياناً منبوذاً، ومرفوضاً من قِبل الزملاء؛ لأنه سيشكل عبئاً على فريقهم في حالة انضمامه إليه، ولا يخفى أن مشاعر المراهق وانطباعاته حالة انضمامه إليه، ولا يخفى أن مشاعر المراهق وانطباعاته تظل ملفوفة بالغموض والابهام، وهذا يزيد الطين بِلَّة، ولعل الوقوف الطويل للمراهق أمام المرأة وولعه برؤية الأفلام هو جزء من مسعاه لحسم ذلك الصراع والتخلص من ذلك الغموض.

ب. الصراع بين دواعي الاستقامة ودواعي الانحراف: ينشأ المراهق في مجتمعاتنا الإسلامية وقد تشبع بالكثير من معاني العفة والاستقامة، فقد سمع الكثير من أبويه وأساتذته عن شناعة الزنا وعواقب السلوك الجنسي المحرم، كما أن المجتمع يراقب عن كثب وبحزم العلاقات التي يمكن أن تنشأ بين الذكور والإناث خارج مؤسسة الزواج، هذا كله فورة جنسية وعاطفية عارمة، وهذا يجعل سلوكه اليومي ميداناً فسيحاً للصراع والتجاذب بين ما يتصل بمعاني العفة والحشمة، وما يتصل بمعاني الشهوة واللذة والغريزة، وإن للدائرة الضيقة من الأصدقاء تأثيراً جوهرياً في حسم ذلك الصراع وترجيح إحدى الكفتين على الأخرى، كما أن هذا النوع من الصراع كثيراً ما يكون مصدر قلق بالغ لأهل المراهق، ومصدر شكل كبير لديهم في جدارة ابنهم بالثقة.

ت. ما بين التحرر والانضباط: المراهقة – كما أشرنا مراراً- مرحلة انتقالية من اعتماد على الآخرين اعتماداً شبه كامل إلى الاستقلال شبه التام، ولهذا فإننا نلاحظ أن المراهق يميل إلى أن يعيش ويتصرف وكأنه حر من كل قيد، فهو يشعر بوطأة القيود والأعراف الاجتماعية، ويرى كثيراً منها غير منطقي، ويتعجب من وجوده، ويتجلى ذلك في ملابسه وقصة شعره وبعض مواقفه السلوكية، كما يتجلى في عدم رغبته في الجلوس مع الضيوف والانصياع لتقاليد مسامرتهم وخدمتهم، وفي عدم الجلوس مع الكبار لا يسمح له بأن يتصرف على سجيته، كما أن الكبار يثيرون في مجالسهم موضوعات كثيرة، لا تتصل باهتماماته، لكن هذه الرغبات لدى المراهق تصطدم برغبة قوية لديه، وهي أن يشعر أنه شخص محترم في نظر أعمامه وأخواله وجيرانه وأصدقاء أبيه، وهذا لا يتحقق إلا إذا كان يتمتع بالعضوية الكاملة في المجتمع الذي يعيش فيه، والتمتع بالعضوية يتطلب فهماً جيداً للأمور التي يعدها المجتمع غير لائقة أو شنيعة، وبعد الفهم يكون التقيد والانضباط..

المراهقون في الغالب يعملون على حل جزئي لهذا الصراع، وهذا الحل يقوم على الرضوخ لتقاليد المجتمع قدر الإمكان، ولو كانت القناعة بها غير حاصلة، كما يقوم على تقليل الاحتكاك بالكبار، وتقليل التحدث في مجالسهم خشية الوقوع في الخطأ، ويقوم كذلك على الاستفادة من خبرات أقرانهم في هذا الشأن، ومن هنا فإن جزءاً من أحاديث المراهقين حين يجتمعون يتركز على استعراض المقالب التي وقع فيها بعضهم، واستعراض النجاحات التي أصابها آخرون، وبعد الاستعراض يكون التناصح وأخذ العبرة.

يقول أحد المراهقين: جاء إلى زيارة أبي بعض الرجال الذين لم أرهم من قبل، وحين أعطتني والدتي الضيافة لأقدمها لهم، طرقت الباب حتى يأخذها أبي مني دون أن أدخل، لكنه أصر على دخولي، فدخلت وجلست في طرف المجلس بعد القاء التحية، فقال أبي، قم وصافح أعمامك، فقمت وأنا في غاية الحرج لأنني لا أعرف الكلمات والتعبيرات التي سأقولها للترحيب بهم فأخذت أهمس: أهلاً وسهلاً مع هز الرأس، ومر الوقت بسلام…، وبعد مدة ذهبت مع أبي لزيارة بعض أصدقائه، وبعد السلام عليهم جلست إلى جانب أبي، وكان بينهم مدرس للرياضيات، فأخذ يسألني عما إذا كنت ماهراً في الحساب؟ وصار يلقي عليَّ بعض المسائل في الضرب والقسمة، ووصل به الأمر إلى طلب حل بعض المعادلات الرياضية البسيطة، وأخذ العرق  يتصبب مني، لأنني- كما تعرفون- ضعيف جداً في الرياضيات، ولم ينفض المجلس حتى اتفق أبي مع صديقه على أن أذهب إلى بيته مرة في الأسبوع حتى أدرس عليه المادة التي اكرهها كراهة شديدة، فما العمل في نظركم؟

هنا أخذ زملاؤه يقدمون له النصائح المختلفة للتعامل مع هذه الحالة المحرجة…

ما بين الهواية والظروف الموضوعية: حين يصبح الطالب في المرحلة المتوسطة تبدأ التساؤلات المزعجة تجتاحه حول التخصص الذي سيدرسه، وهل سيكون في اتجاه العلوم البحتة أو العلوم الإنسانية؟ المراهق بسبب ضعف خبرته في الحياة يظن في البداية أنه سيستطيع دائماً أن يدرس التخصص الذي يميل إليه، ويأخذ في نسج الامنيات والأحلام التي ستحققها البراعة في دراسة ذلك التخصص، وحين يأتي وقت الاختيار ووقت القرار في المدرسة الثانوية أو في الجامعة، فإنه يكتشف أن الأمور أعقد مما كان يظن، بل إنه يكتشف أنه غير متيقن فعلاً مما إذا كان يرغب حقيقة في دراسة الشريعة – مثلاً- أو في دراسة الهندسة أو في دراسة إدارة الأعمال…

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.