فكر مقالات

شكيب أرسلان والدعوة إلى القومية الإسلامية

الإسلام ضد الغرب
شكيب أرسلان والدعوة إلى القومية الإسلامية

تأليف وليام كليڨلاند ، ترجمة محمد هيثم نشواتي
منتدى العلاقات العربية و الدولية، طبعة أولى، سنة 2017.

بقلم: نجوى الجزائري

(أناَ أهنئ أرضَ الإسلامِ التي أنبتَتكَ) السؤال الذي يطرحه القارئ بادئ الأمر من خلال العنوان الذي اختاره وليام كليڨلاند (الإسلام ضد الغرب ) هو: لماذا اختار أرسلان نموذجا للإسلام ضد الغرب؟ و لماذا ارتبط شكيب أرسلان بالدعوة للقومية الإسلامية رغم معاصرته لأهم الشخصيات الفكرية السياسية والإصلاحية أمثال: جمال الدين الأفغاني، محمد عبده، رشيد رضا و آخرون … الأكيد أن القارئ سيجد جواباً لهذه الأسئلة في نهاية هذا الكتاب الرائع، فما هو الوجه الآخر لأمير البيان؟!

تضمن كتاب الإسلام ضد الغرب (شكيب أرسلان و الدعوة إلى القومية الإسلامية) لمؤلفه وليام كليڨلاند ثمانية فصول، الفصل الأول تطرق فيه المؤلف إلى تشكيل الجنتلمان العربي – العثماني للأمير شكيب أرسلان، الفصل الثاني بعنوان: الحرب والمنفى، أما الفصل الثالث فكان حول تبني أرسلان للقضية العربية، فيما جاء الفصل الرابع بعنوان المدافع عن القومية الإسلامية: المشرق العربي مثالاً، يليه الفصل الخامس: معلم جيل: شمال إفريقيا والتأثير العجيب في مناضلي شمال أفريقيا، الفصل السادس: سلامة التقليد، أما الفصل السابع: نحو المحور فكان حول علاقة الأمير أرسلان بدول المحور، فنهاية الفصول خاتمة المؤلف وليام كليڨلاند ورؤيته لفكر الأمير شكيب أرسلان مع ملحق للتسلسل الزمني لحياة الأمير.

شكيب أرسلان: الأمير الدرزي:

ولد شكيب أرسلان في 25 ديسمبر/كانون الأول 1869 في الشويفات بلبنان، ينتمي إلى أسرة درزية عريقة، وشكيب تعني بالفارسية: الصابر، وأرسلان تعني بالتركية والفارسية: الأسد ، قال عنه الشيخ علي الطنطاوي: “كان درزي الأصل، ولكنه تبرأ من درزيته، وعاد إلى الدين الحق، وظل عمره كله يحامي عنه بقلمه ولسانه، يؤدي فرائضه وسننه، ويتجنب محرماته ومكروهاته”.

تمكنت أسرة آل أرسلان من إحراز مراتب الشرف والرفعة في وسط الدروز وغدا أبناءها ممن يلقبون بالأمراء و مقر قاعدة سلطتهم هي منطقة الشوف، وكان العنصر المهيمن على الأسرة هو الأمير مصطفى عم الأمير شكيب الذي كانت له علاقة قوية وجيدة مع السلطان العثماني عبد الحميد والغريب أن جنازة الأمير مصطفى أجريت حسب التقليد السني لا وفقا للتقاليد الدرزية و بذلك استفاد أقارب مصطفى من نفوذه و جهوده فشغلوا مناصب عالية، أما والد الأمير شكيب وهو محمود أرسلان، فقد خرق قواعد الدروز بزواجه من امرأة شركسية قوية وله منها أربعة ذكور، أكبرهم نسيب ثم شكيب و كان عادل أصغرهم، شغل الإخوة أرسلان مناصب عالية و مرموقة في الدوائر الحساسة للسلطة العثمانية، بعمر ستة سنوات انتسب شكيب إلى المدرسة الأمريكية في منطقته الشوف ثم إلى مدرسة الحكمة الإعدادية وهي المدرسة الرائدة في بيروت، في الرابعة عشر ظهرت أولى مؤلفاته في الصحافة المحلية، أما في السابعة عشر فقد نشر ديوانه الأول تحت عنوان “الباكورة ” وبعد أن اكتسب الإخوة أرسلان خلفية عربية فرنسية مناسبة لمدرستهم التمهيدية المسيحية أرسلتهم الأسرة إلى معهد حكومي عثماني اسمه “مدرسة السلطانية” للتركيز على العلوم الإسلامية و اللغة التركية والعثمانية لكنه حرم من التعليم الجامعي بسبب مطالب سياسية فرضتها المتصرفية و توجه إلى التعليم الذاتي وحضي في آخر سنة من دراسته في بيروت برعاية المدرس ” محمد عبده ” المصلح المصري ثم التحق عام 1892 بمقر إقامة جمال الدين الافغاني في إسطنبول.

بعد الحرب الطائفية في لبنان عام 1860 بين المسيحيين والدروز، كان النظام الجديد للبنان والذي تبناه ممثلو الدول الأوروبية الست الكبرى (فرنسا، إنجلترا، روسيا، ألمانيا، النمسا وإيطاليا) والباب العالي في حزيران 1861، كان مؤاتياً للطائفة المارونية، ويقوم على الاعتراف بالمبدأ الطائفي وتشجيعه له، فوفقاً لهذا النظام منح لبنان الحكم الذاتي المحلي في ظل حاكم مسيحي عثماني هو” المتصرف” ، كان نظام المتصرفية هذا وما يتبعه من تنظيم للقائمقاميات الطائفية لمصلحة الموارنة، وبسبب تهميش هذا النظام الجديد لجبل الدروز، ظل الدروز على هامش التطور الاقتصادي الذي عرفه الموارنة بفضل الدعم الخارجي لهم، ومن الطبيعي أن يرى الأمير شكيب بأن الواجب يقتضي تدعيم موقع الأسرة الأرسلانية الدرزية في هذه القائمقامية، وأن يكون على رأسها من يحمل تاريخ العائلة الفعلي ويجسد تراثها العربي الإسلامي ومن يعمل على التحام الدروز بالدولة العثمانية وتحقيق الذوبان الاستراتيجي للدروز وسط المحيط الإسلامي والسوري الأوسع.

أرسلان رجل المواقف الملتبسة:

(كنت في الصف المقاوم للملك حسين قبل الحرب و أيام الحرب، كما يعلم ذلك الجمهور منتقداً سياسته في الخروج على دولة الخلافة وأكثر من هذا في ثقته بالدولة البريطانية و عهودها ) شكيب أرسلان.

– يتضح من خلال قول رشيد رضا التالي كيف بدت (ثم تغيرت فيما بعد ) نظرة هذا الأخير نحو شكيب أرسلان حيث يقول رشيد رضا (قد كان كثيرون من الناس يزعمون أن الأمير ليس له مبدأ أو مذهب في السياسة ثابت و إنما يدهن للدولة و لكبراء رجالها لأجل المنفعة … وقد كنت أنا من هؤلاء المنكرين عليه تشييعه للاتحاديين و دفاعه عنهم على علمي بما ذكرت من مذهبه السياسي في تفضيل الدولة على جميع الاجانب ).

– يتمثل الالتباس الذي حام حول شخص الأمير أرسلان في علاقة وموقف هذا الأخير في جمال باشا حيث رأى أرسلان في جمال باشا( رجلا يؤمن إيمانا راسخا بمزايا القومية العثمانية المرتكزة إلى التضامن الإسلامي وبمستقبلها ) لكن جمال باشا الذي لقب بالسفاح (1872-1922) من قبل جماعة دأبوا على النظر إليه من زاوية أحادية البعد، حيث طالت إعدامات جمال باشا بالإضافة إلى المذنبين المتعاونين مع العدو و الخونة طالت أيضاً الأبرياء فأصبحت هذه الإعدامات رمزا للشهادة بالنسبة للسوريين والعرب ورمزا لوحشية الاضطهاد العثماني وبالتالي أثيرت مشاعر عارمة مناهضة للأتراك، و تزامن مع إعلان انطلاق الثورة العربية في يونيو 1916 وشكل استشهاد الضحايا هالة وطنية وأصبح مرتبطا بقضية النزعة الانفصالية العربية، عمل أرسلان دور الوسيط بين جمال باشا والجماهير العربية في منطقة سوريا و جبل لبنان في الكثير من الأحيان للحيلولة دون نفي بعض رجال جبل لبنان بعد حملات النفي التي استعملها جمال باشا.

وكانت علاقته بجمال باشا وما ارتبط به الرجل من وصفه سفاحا، تعتبر شكوكا واتهامات لاحقت أرسلان طيلة حياته حتى وصف في إحدى التقارير الصادرة عن الخارجية البريطانية في عام 1922 بوصفه الساعد الأيمن لجمال باشا على صعيد أعمال الاضطهاد التي حدثت في عام 1915 و 1927 حيث اتهمته الصحيفة بأنه يرسل مواطنيه إلى المشانق ! غير أن أرسلان عمد للدفاع عن نفسه مرارا وتكراراً في مواجهة هذه الاتهامات الخطيرة عبر كتابة المقال تلو الآخر ليوضح و يبرر حقائق الأمور حتى دعاه توما “رجل المواقف الملتبسة” وتتمثل أبرز مواقف الالتباس التي حامت حول أرسلان في هذه الفترة في: معاملة البطريرك الماروني وترحيل عدة مئات من وجهاء العرب إلى القدس وإلى الأناضول وإعدام زعماء عرب في كل من دمشق وبيروت في عامي 1915 و 1916 وإخفاق جهود الإغاثة من المجاعة .

هاجس الخلافة و القومية الاسلامية:

(إنها وصمة عار يندى لها جبين المسلمين الذين تركوا خليفتهم السابق يهيم على وجهه في البلاد الأجنبية مغلوبًا على أمره وعاجزاً عن إيجاد موطئ قدم في أرض إسلامية) شكيب أرسلان.

عبر شقته في جنيف (سويسرا) التي تمثل “الحبل السري للعالم الإسلامي ” ركز أرسلان جهوده لتوجيه المقاومة العربية في حقبة ما بين الحربين ضمن أربعة أنشطة رئيسية: إبقاء القضية السورية الفلسطينية حية في أروقة عصبة الأمم وتعبئة عرب شمال إفريقيا ضمن بوتقة النضال الإسلامي المشترك المناهض للامبريالية، وهنا ارتبط اسمه مع قضية الظهير المغربي الشهيرة في المغرب الأقصى التي كان فيها سببا في تحول و تبلور النضال المغربي و مساعدته المعنوية و المادية للقادة المغاربة هناك ونصحه و توجيهه عموما لكل ثوار الشمال الأفريقي في كل من المغرب، تونس ، الجزائر وليبيا، و التصرف بوصفه مصلحا دينيا عبر التعليق على أحداث المشهد الإسلامي المعاصر وإبرام تحالفات مع دول عظمى مساندة.

– تمخض عن إلغاء الخلافة العثمانية من طرف أتاتورك العلماني في تركيا فورة نشاط عارمة على ربوع الدول العربية الكبرى آنذاك: السعودية ومصر تحديداً عن تنافسٍ محموم على الرئاسة بين كل من عبد العزيز آل سعود والملك فؤاد والهاشميين، كان في المقام الأول صراعا على الحدود وعلى الامتيازات وعلى أمور دنيوية في حين كانت الجماهير العربية تتطلع لاستعادة الخلافة خاصة في تلك الفترة الحرجة في ظل هذه الظروف لم يلذ كل من أرسلان و رشيد رضا بالصمت بالطبع فقد سعيا لاستعادة قيام الخلافة و اختيار خليفة تتوفر فيه مؤهلات يضعها صفوة الفقهاء، لكن أرسلان عدل موقفه لاحقاً و خلص إلى إمكانية إيجاد ملكين أو ثلاثة ملوك لكل منهم سيادة.

أزمة مالية:

(أمضينا خمسة عشر عاماً و نحن ندافع عن قضية العرب والمسلمين وندافع عنها على نفقتنا الخاصة … وضحينا في سبيل ذلك تضحيات كبيرة بالممتلكات والأموال، ولسوف نستمر على هذا النهج ونحن لا نخدم ألمانيا ولا فرنسا ولا إنجلترا ولا إيطاليا ولا أي بلد آخر، بل نخدم الأمة العربية التي ننتمي إليها و العالم الإسلامي على وجه العموم ) شكيب أرسلان.

– الملفت جداً في هذا الكتاب لوليام كليڨلاند هو تتبعه لمصادر أرسلان المالية وهي أكبرُ تهمة رافقته في اعتقادي خلال مسيرته النضالية بالإضافة طبعا لعثمانيته المبكرة، بحيث يقول بعدها كليڨلاند في أربع موارد رئيسية: من أمراء وحكام عرب وقادة إسلاميين وجماعات إسلامية، ومن جماعات سورية مقيمة في أمريكا الشمالية وأمريكا الجنوبية، كرسها كلها أرسلان للغرض الذي منحت له من أجلها و تتمثل في نفقات بريد وبرقيات، أجور و نفقات طباعة مجلة الأمة العربية وتقديم عرائض لعصبة الأمم زائد تكاليف سفره وانتقاله المتعلق بأداء واجبه بوصفه رئيسا للوفد، ونظرا لرحلات الأمير الكثيرة واسعة النطاق وعقده للصالونات فإن كل ذلك يتطلب ميزانية مالية، و من المعروف يقول المؤلف وليام كليڨلاند أن يتلقى أرسلان مساعدات مالية (من إيطاليا، ألمانيا و بعض الملوك العرب مثل خديوي مصر السابق عباس حلمي ) أما القول بأنه يمكن شراؤه بالمال فهو أمر مشكوك فيه، وبذلك برّأ كليڨلاند أرسلان، ويورد كليڨلاند ما حدث لأرسلان مع الخديوي عباس حلمي، فحين أدرك أرسلان أن مساعدة الخديوي يمكن أن تقيده رفض الدعم المالي حيث أماط عباس حلمي عن نيته وطموحه في اعتلاء عرش المملكة السورية فأعلن أرسلان حينها أنه لن يبذل جهدا لدعم الخديوي كي يغدو ملكا . 
أما بالنسبة لموارده الشخصية فكما هو معلوم أنه أمير في قومه وصاحب أراض و أملاك في بلده بالإضافة إلى عوائد أدبية كإيرادات كتبه، مقالات و ترجمات كما أنه عمد إلى اكتراء شقته في برلين، رغم ذلك كله عانى أرسلان من ذائقة مالية طيلة حياته الساسية والشخصية والتي شكلت حتى آخر أيام حياته قلقا مزمنا لأرسلان إلى غاية تسديد دينه من طرف الملك اليمني في حين تخلى عنه من كان بالأمس يناضل في سبيل تحقيق استقلالهم و منحهم سلطة في بلادهم فهل جزاء الإحسان إلا الإحسان!

لا يكِّلُ و يهدأ :

– أمضى أربعة أشهر في الولايات المتحدة الأمريكية وحضر مؤتمراً في موسكو وجال في دول البلقان وصولاً إلى بودابست، وتوسط لفض نزاع في اليمن و التقى مرتين بموسولوني في روما وتناول طعام الغداء مع المندوب السامي البريطاني في القدس، ومع ذلك كله يجوب العالم الإسلامي وأوروبا فيستقطب مريدين مستجدين وينبه بعض الحكام العرب إلى الخطر ويرسل إليهم النصح والإرشاد و ينتزع القلق من المسؤولين البريطانيين والفرنسيين الذين يقتفون أثره، وحيثما يوجد مسلم واحد يذهب لإسداء النصح ومن أجل التشجيع، هو ذا الأمير أرسلان نحلة لا تكل و يهدأ

الكتاب يؤرخ لفترة ومرحلة سياسية و ثقافية حرجة جدا من تاريخ العرب والمسلمين عموماً، ويصف المشهد الإسلامي في أحدِ منعرجاته الحاسمة و الخطيرة في عالم الأفكار ، التاريخ والسياسة تحديداً، وليام كليڨلاند هذا المؤرخ الموضوعي الذي رصد الدور الفكري والسياسي للأمير شكيب أرسلان، و ربطه بتاريخ الحقبة حاول الإنصاف ما استطاع و تتبع آثار أرسلان و تنقلاته وحتى حاول الدخول إلى عالم أفكار أرسلان ليفهم عبقرية هذا المناضل المجاهد الإسلامي العالمي.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.