مقالات موسوعة روافد بوست

غـزة .. نبذة تاريخية

غـزة .. نبذة تاريخية

بقلم الباحث: د. ناصر الصوير

يرى بعض المؤرخين أن العرب الكنعانيين أنشأوا غزة في الألف الثالثة قبل الميلاد ، ويرى البعض أنها تعود في نشأتها للعرب المعينين “Minaeons” الذين كانوا يقطنون جنوب الجزيرة العربية في القرن الثامن عشر قبل الميلاد، وأنهم وضعوا حجر أساسها ، أو على الأقل ساعدوا في نموها وازدهارها. ويذكر المؤرخون أن بناة غزة الأقدمون وأول من استوطنها هم المعينيون ، والسبائيون ، والعويون ،والكفتاريون ، والعناقيون ، والمديانيون ، والأدميون ، والعموريون، إلا أن الكنعانيين هم أول من سكنوها وحافظوا على وجودها ، وتركوا بصماتهم على تاريخها الطويل، وسجل التاريخ بأن الكنعانيين هو العرب الأوائل الذين يرجعون بأنسابهم إلى العمالقة، ونسبة إلى الكنعانيين سميت البلاد بأرض كنعان. ولقد كان لغزة شأن كبير مع المصريين القدماء والفراعنة ، حيث عبر الكثير من ملوك مصر الفراعنة ، إما لفتحها أو للانطلاق منها لفتح الشام ، واتخذها تحتمس قاعدة لهجومه، فقد كانت غزة الموقع المتقدم للدفاع عن العمق المصري في شمالها الشرقي؛ ففي أيام الحرب جعلها المصريون قاعدة للجيش المصري، وفي أوقات السلم جعلوا منها المقر الرئيسي لممثل فرعون في بلاد الشام .

وفتح الفلسطينيون غزة منذ أقدم الأزمنة ، وكانت من المدن الفلسطينية الخمس المشهورة وهي:غزة،وعسقلان،واسدود ، وعاقر ، وجت “غات”؛ وحارب الفلسطينيون الغزاة الإسرائيليون ، وحالوا دون سيطرتهم على المدن الفلسطينية .

توجه الاسكندر الأكبر نحو غزة لاحتلالها ، فواجهته بالتصدي ، وكاد يلقي حتفه فيها مما جعله يحاصرها حصاراً شديداً ، فظل يهاجمها حتى فتحها عام 332 ق.م. بعد جهد جهيد ، وارتكب الفظائع ثأراً من أهلها، وأعمل فيهم القتل. بعد وفاة الاسكندر نشبت حروب طاحنة بين خلفائه وبطليموس صاحب مصر انتهى باستقرار البطالسة في غزة وفلسطين؛ وقد ظلت غزة تنتقل من جهة إلى أخرى في حروب مستمرة ، فقد عاود المصريون مهاجمتها واستردادها والاستيلاء عليها ، إلا أنهم اندحروا عنها ثانيةً عام “198ق.م” فآلت السيادة فيها للدولة السلوقية في سوريا.

وفي عهد اليونانيين ظلت غزة مدينة مستقلة يحيط بها سور ، وأصبحت تسمى(غزة المقدسة) ، و(غزة المضيئة)، و(غزة العظيمة).

المسجد العمر وسط مدينة غزة، وهو أكبر مساجد غزة

عقب ذلك حكمت غزة من قبل الرومان الذين احتلوها بقيادة “اسكندر جانيوس” عام 103 ق.م بعد صمود كبير ومقاومة شديدة مما حدا بجانيوس إلى الثأر منها فدمرها وخربها، وكانت غزة تدار مباشرة من إمبراطور الرومان عن طريق مندوب سامي ، ولقد سميت غزة في عهد الرومان بالمدينة الشريفة، والمدينة العتية، وقد أقام الرومان مصانع لسك النقود في غزة.

ابتدأت المسيحية بالانتشار فكان معتنقوها يضطهدون اضطهاداً عظيماً في فلسطين وغيرها من الأقطار،والمعروف أن أول غزي استشهد في سبيل عقيدته المسيحية هو الأسقف “سيلفانوس – silvanus ” المتوفي عام 285م مع تسعة وثلاثين شهيداً ، وذلك في عهد الإمبراطور “ديوكلتيان” (284-305م) ؛ وبلغت غزة ذروة مجدها العلمي في نهاية القرن الخامس، وتقدمت في الكثير من الصناعات وبخاصة الفخار ، واكتسب النبيذ الغزي شهرة واسعة.

وجميع الدلائل والشواهد التاريخية التي مرت بها المدينة منذ آلاف السنين تشير إلى أن غزة على صلة وثيقة للغاية بالعرب، وأنها ظلت وعبر قرون طويلة متلاحقة على اتصال بالعرب في شبه الجزيرة العربية، وقد سكنها بطون عربية من بني جزم، كما سكنها المعينيون، وبنو سبأ، وهم عرب أقحاح من قلب الجزيرة العربية، وكانت قوافلهم تسير بين الشام واليمن في رحلتي الشتاء والصيف، مما يؤكد أنها مدينة عربية منذ أقدم الأزمنة.

فتحت غزة عام 634م من قبل العرب المسلمين على يد القائد أبي أمامة الباهلي بعد معركة الدميثة-داثن، وكان ذلك على يد “عمرو بن العاص” في خلافة أبي بكر رضي الله عنه وبهذا الفتح كانت غزة أول بلد دخله العرب في فتوحهم لفلسطين.

سقطت غزة بأيدي الصليبيين في رجب عام 502هـ/1101م، حيث عاثوا فيها فساداً وتدميراً وقتلوا العديد من أبنائها دون تفريق بين المسلم والمسيحي.

لكن غربة غزة عن سربها العربي الإسلامي لم تطل، فما لبثت أن عادت بعد معركة حطين الشهيرة عام 1187 بقيادة البطل المسلم صلاح الدين الأيوبي.

مما هو جدير بالذكر أن الأمير “شجاع الدين عثمان بن علكان الكردي” استشهد في غزة 637هـ في إحدى المناوشات التي كانت تحدث بين الصليبيين والمسلمين ، ولعل تسمية حي “الشجاعية” في غزة بهذا الاسم يعود إلى استشهاد هذا المجاهد فيها.

استولى المغول على غزة عام 1260م ، فأرسل قطز جيشاً عظيماً في أواخر عام 1260 بقيادة الأمير ركن الدين بيبرس “الملك الظاهر فيما بعد” قاصداً غزة ، والتقى مع أعدائه وبعد معركة حامية انتصر المسلمون على أعدائهم واستردوا غزة وأخذوا بمطاردة المغول إلى أن ظفروا بهم في معركة فاصلة في “عين جالوت” بالقرب من بيسان في سبتمبر من عام 1260م.

لعبت مدينة غزة دورها الاستراتيجي والتجاري والثقافي الهام في الفترة المملوكية من القرن الثاني عشر وحتى القرن السادس عشر الميلادي حيث دارت فيها معركة غزة الثانية عام 1244م/642هـ والتي هزم فيها الصليبيون إلى غير رجعة.

وكانت البلاد في عهد المماليك مقسمة إلى ثماني ممالك هي :المملكة الشامية ، والمملكة الكركية، والمملكة الطرابلسية، والمملكة الحماوية، والمملكة السكندرية،والمملكة الصفدية، والمملكة الغزية؛ وهو ما يؤكد على الدور الريادي والازدهار الذي شهدته غزة في هذا العهد .

مع انهيار قوة المماليك خضعت المنطقة بأسرها لقوة جديدة منحدرة من أصول تركية في آسيا الصغرى ،هي الإمبراطورية العثمانية ، فخضعت غزة كغيرها من المدن العربية في أعقاب هزيمة المماليك أمام السلطان سليم الأول في معركة مرج دابق عام 1516م فسقطت المدينة في أيدي العثمانيين على يد “اسكندر باشا” و “داود باشا” بعد أن أحرقت بعض بيوتها،وفر نائبها “دولاتباي” الذي كان آخر حاكم من حكام المماليك في هذه المدينة وأصله من مماليك السلطان الغوري ، وظلت غزة تحت الحكم العثماني من 1517-1917م أي أربعة قرون بالتمام والكمال.

وقُدِر لغزة أن تلعب دوراً مميزاً خلال العهد العثماني ، حيث كانت في معظم الأوقات سنجقاً أو لواءً في بلاد الشام ، وإن ألحقت لفترة قصيرة بولاية صيدا ، ثم بمتصرفية وولاية القدس.

بعد أن نجحت الحملة الفرنسية على مصر 1798م ، توجهت أنظار نابليون إلى فلسطين ، حيث توجه في العام 1799م نحوها، وبعد أن اجتاز الصحراء، هاجم غزة التي كانت أهم مركز حربي واقتصادي فيها، وقد قال نابليون عن غزة ، مدركاً أهميتها(أنها المخفر الأمامي لأفريقيا ، وباب آسيا). وفي 24/2/1799م استولى الفرنسيون على غزة ولكن نابليون اضطر للانسحاب من كافة المدن الشامية بسبب ما لقيه خلال حملته من المتاعب والمقاومة والمعاناة من الأمراض. وفي أكتوبر 1831م أرسل محمد علي باشا والي مصر حملة عسكرية إلى فلسطين بقيادة ولده إبراهيم ، فاحتل غزة من غير حرب ، ولكن بسبب ما لاقاه من متاعب اضطر للانسحاب في 19/2/1841م.

استمر الحكم العثماني لمدينة غزة ولسواها من المدن الفلسطينية حتى اندلعت الحرب العالمية الأولى، وكان لغزة نصيب فيها حيث وقعت معركتان لم يستطع خلالهما الجيش البريطاني من الاستيلاء على المدينة. المعركة الأولى جرت في 26-27 /3/1917م ، انسحب البريطانيون على أثرها إلى خط دير البلح-خانيونس؛ فيما جرت المعركة الثانية من 17-20/4 من العام نفسه، ودارت رحاها في أزقة غزة واشتركت فيها البحرية البريطانية بمدافعها من البحر، ولم يتمكن الجيش البريطاني من احتلال المدينة، وبعد أن أعادت القوات البريطانية تنظيم نفسها شنت هجوماً ثالثاً استمر ستة أيام، وقد استطاعت القوات البريطانية بقيادة الجنرال اللورد اللنبي من الاستيلاء عليها 7/10/1917م؛ وعندما حضر هذا الجنرال لتدشين المقبرة التي دشنها الإنجليز لدفن موتاهم قال: ” لقد كانت غزة منذ فجر التاريخ حتى يومنا هذا بوابة الفاتحين” ؛ ومنذ ذلك التاريخ رزحت غزة وفلسطين بأكملها تحت نير الاحتلال والانتداب البريطاني حتى 15/5/1948م وهو تاريخ انتهاء الانتداب وخروج بريطانيا من فلسطين. ثم آل حكم غزة للإدارة المصرية بعد نكبة فلسطين عام 1948م، واستمر الحكم المصري لغزة حتى سنة 1967م ، حيث احتلت إسرائيل ما تبقى من فلسطين واستمر احتلالها حتى أقيمت السلطة الفلسطينية بموجب اتفاق أوسلو 1993م.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.