اجتماع مقالات

الاستاذ الجزائري ومتلازمة ما بعد الموحدين

الاستاذ الجزائري ومتلازمة ما بعد الموحدين

بقلم : كرايس الجيلالي – الجزائر

يقول مالك بن نبي في كاتبه وجهة العالم الاسلامي: “من يفقد القدرة على الصعود، لا يملك الا ان يهوي بتأثير جاذبية الارض” ويقول ايضا في نفس الكتاب: “ان انسان ما بعد الموحدين يعيش افلاسا اخلاقي واجتماعي وفلسفي وسياسي، فهو يحمل في كيانه جميع الجراثيم التي نجمت عنها كل المشاكل التي يتعرض لها العالم الاسلامي في فترات متلاحقة” لقد اخترت ان بدا مقالي بهذه العبرات، التي يبدوا انها قد انتقلت الى الجامعة الجزائرية، واصبح بعض الاساتذة فيها يعانون من متلازمة ما بعد الموحدين، اي حب السقوط والنكوص من جهة، وتسميم الجامعة ومحاولة احتكارها، من جهة اخرى، اي على طريقة ما اريكم الا ما ارى، وما اهديكم الا سبيل الرشاد، وربما يتسأل البعض لماذا هذا التحامل على الجامعة؟ وانا اقول: ليس تحاملا على الجامعة فانا جزء منها، ولكنه توصيف لبعض من افسدوا الجامعة وهم يعتقدون انهم يحافظون على عقلانيتها، وحداثتها، وانهم عصر الانوار فيها، ولا انوار بعدهم ولا قبلهم، ولا عن ايمانهم ولا عن شمائلهم، ولا من خلفهم ولا من بين ايديهم، ولا من تحتهم ولا من فوقهم، وهم ايضا يتحاملون او يستصغرون كل من يغرد خارج سربهم، بعقلية استعلائية، يبررون لها، من خلال انهم المؤتمنون على الحداثة الغربية، وهم لا يدركون انهم سبب خراب الجامعة وضياعها.

اخطيك يا استاذ، هكذا علق استاذ من احد الجامعات الجزائرية على احد منشوراتي، في مجموعة تهتم بالسوسيولوجيا في العالم العربي والغربي، القى كلمته واختفى، معتقدا ان رب الحداثة قد تجلى فيه، فنفاني ونفى المجموعة ونفى كل المعلقين ومتحاورين فيها، وانصرف، فهو اعلمنا واعرفنا، وقدوتنا، لم يكلف نفسه قراءة المنشور، او حتى احترام بقية الاساتذة، الذين ربما فيهم من هو اعلم واعرف منه، واعلى منه درجة، لكن للأسف، هذه النوع مصاب بمتلازمة ما بعد الموحدين، اما ان ترتقي معه، وعلى ملته وعلى عقيدته الفكرية، وخلفيته الفلسفية والايدلوجية، واما ان يهوي بك في مكان سحيق، هو ايضا، يعاني من تضخم في الانا العارفة، حتى اصبح يعتبر كل معرفة لا تتوافق مع معرفته، خارج المعرفة، وهو لا يدري هذا المسكين انه مجرد مجتر لما تم تلقينه له، من طرف كهنة المعبد، والهة الفلسفة وعلم الاجتماع في جامعتنا، واوهموه انهم يحاربون المردين والمتدينين، ولكنهم صنعوا منه ومن امثاله، مريدين ومتدينين جدد، الفرق بينهم وبين الشكل الذي يعتقدون انهم يحاربونه، انهم يعبدون الهة وضعية، لا متسامية ولا مقدسة ولا تستحق التعالي، ولا تمتلك شرعية هالة التقديس.

للأسف الكثير من الاستاذة المريدين في جامعتنا، مصابون بمتلازمة ما بعد الموحدين، حيث ينتقدون ويرفضون ويجرحون، ويقصون، كل من خالفهم، لكنهم هم يعتقدون انهم يقعون خارج النقد، وخارج الرفض، وخارج الاقصاء، فهم روح الحضارة واساسها واسها، وان الجامعة ستنهار بعدهم، وانهم يقفون على ثغور العلم والعقل، يردون الاعداء، ويحمون حما العلم، وهم للأسف مجرد ممثلين بارعين، اسندت اليهم بعض الادوار، من طرف الالهة القديمة، وهم يتفننون في تأدية ادوارهم المبتذلة، حيث يقول مالك بن نبي عن انسان ما بعد الموحدين: “انه مستعد للقيام بكل الادوار التي اسندت اليه، حتى لو اقتضى الموقف ان يقوم بدور الإمبراطور” وهذا النوع من الاساتذة، حتى يرضي ويرضى عنه الحداثيون والمتنورون، تجده مستعد لان يرد على الله، وان يطعن في المسلمات، ويدعي زورا وبهتانا، انه عقلاني وان العقل احب اليه من النقل، فيورط نفسه في متاهات، لا لشيء، فقط ليثبت للآلهة انه علماني وحداثي متنور وعقلاني، وتجده يهاجم كل مخلف ويحاول النيل منه.

الاستاذ او المثقف المصاب بمتلازمة ما بعد الموحدين، فإما ان يكون رايه هو الراي، وتنساق كل الناس ورائه، وتستقيل من عقولها من شخوصها، وتردد ما يردد هو، واما ذهب الى استراتيجية اخرى، وهي ان يتحول الى شخص عامي، ويتنكر لكل بروتكولات الحضارة التي يستعملها في حواره مع الالهة، مثل: {مودتي، اسعدني مرورك، احترامي} ويستخدم كلمات الهدف منها التأثير على شخصية من يحاوره، والسخرية منها، وهي كلمات عامية، لا تليق بباحث ومثقف ومتنور، امين وحريص على الحداثة، لكن هي حقيقة التنور المزيف، وحقيقة انسان ما بعد الموحدين، ذلك الممثل البارع، الذي ينتقل من دور لدور، من اجل ارضاء غيره، فهو يعتقد انه لا شيء في حضرتهم، كيف لا والفقهاء يقولن: اذا حضر الماء بطل التيمم، وصديقنا مجرد تيمم، يظهر كل ما سنحت له الفرصة، ليمارس سقوطه الحضاري والفكري على كل من يخالف الالهة، التي هو مجرد نائب عنها، فشخصيته لا تهمه بقدر ما تهمه شخصية الالهة.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.