سياسة مقالات

فتيل المواجهة يشتعل بين تركيا واليونان

فتيل المواجهة يشتعل بين تركيا واليونان

بقلم: هبة داودي – الجزائر

مرة أخرى، تشهد العلاقات على محور أنقرة وأثينا تصعيدا يعكس درجة الاحتقان الذي يميز علاقات تركيا واليونان، على مر العقود الثلاث الماضية، بعدة ملفات خلافية، وتنافس مفتوح على عدة جبهات وأصعدة .

الوضع المتأزم الجديد بين تركيا واليونان مرده تراكمات لسلسلة من الاحداث، بداية بالاتفاق التركي الموقع مع حكومة الوفاق الليبي، لترسيم الحدود البحرية، وهو الاتفاق الذي أخلط الاوراق في المنطقة، خاصة وأن اليونان سبق وأن أبرم اتفاقا ثلاثيا بينه وبين قبرص ومصر، بشأن ترسيم الحدود البحرية، والذي كان يقصي الغريم التركي، ويغلق عليه المنافذ، ليأتي قرار تركيا مباشرة عمليات استكشاف على المحروقات في المتوسط، وهو ما قابلته تهديدات يونانية باعتراض السفن التركية، وتلاه تهديد تركي بأن سفنها ستحرسها بوارج بحرية، لن تتردد في اطلاق النار على أي هدف معتدي.

ويتواصل السجال التركي اليوناني باتجاه التصعيد، حيث أعلن رئيس هيئة أركان الجيش اليوناني، قسطنطينوس فلوروس، عن استعداد جيش بلاده للرد على أي خطوات من قبل تركيا، بل وهدد بحرق كل من يضع قدمه على الأراضي اليونانية، ولم يستبعد وقوع نزاع عسكري مع تركيا في حال أقدمت على تخطي الخطوط الحمراء.

وتتوقع أثينا حدوث نزاع عسكري تتسع رقعته، علما أن كل من تركيا واليونان عضوان في حلف شمالي الأطلسي “ناتو”، إذ تعكس ردود الفعل اليونانية، امتعاض أثينا من التحرك التركي في المتوسط، خاصة في ما يتعلق بالملف الليبي، وتزايد مخاوف أثينا، مع بروز مؤشرات اقامة قواعد عسكرية تركية في كل من قاعدة الوطية الجوية، وبالخصوص مصراتة التي ستوفر لتركيا منفذا بحريا استراتيجيا، اضافة الى القواعد التي تحوزها تركيا في الجانب التركي لقبرص .

ملفات عديدة نزاعية وخلافية بين تركيا واليونان تظل مفتوحة، فاليونان العضو في الاتحاد الأوروبي يبقى من المعترضين لانضمام تركيا الى النادي الاوروبي، وهذا الأخير يضع من بين المآخذ على تركيا ملف قبرص المقسمة بين جانب تحت النفوذ التركي غير معترف به، وجانب تحت نفوذ اليونان، وهو الشطر المعترف به، والذي انضم الى الاتحاد الأوروبي، وتبقى قبرص المقسمة من بين تركات الصراع المفتوح بين تركيا واليونان .

وعاش البلدان تصعيدا متسارعا في التوتر، الأسابيع الماضية، بلغ حد التهديد بالحرب والانزلاق نحو الخيار العسكري، وشكل الملف الليبي أهم بؤرة توتر، فبعد الاتفاق في نوفمبر2019، بين تركيا وحكومة الوفاق حول ترسيم الحدود البحرية والتنسيق الامني والعسكري، ثم ارسال قوات الى ليبيا، جاء إعلان أنقرة عزمها البدء بالتنقيب عن النفط والغاز، في مناطق متنازع عليها قرب جزيرة كريت، بموجب مخرجات مذكرة التفاهم التي وقعت عليها تركيا وحكومة الوفاق الليبية، وهي القضية التي أشعلت فتيل حرب كلامية، وتصعيدا في اللهجة، مع تهديد صريح من اليونان، وتزامن ذلك مع تدفق مهاجرين لاجئين من تركيا إلى الاراضي اليونانية، في مؤشر اعتبرته اثينا ارادة من انقرة للضغط عليها،من خلال ورقة اللاجئين، حيث سبق لاردوغان أن لوح بها في وجه الاتحاد الاوروبي.

وتمر العلاقات التركية اليونانية بمرحلة صعبة من التوتر، بسبب الخلافات على الحدود البرية والبحرية والمياه الإقليمية، والتي تمتد عبر التاريخ، حيث تبقى العديد من المناطق متنازع عليها بين الطرفين، ونفس الامر يخص المجال الجوي، وملف جزيرة قبرص، ليضاف إليها ملف التنقيب عن النفط والغاز في المتوسط، واستضافة اليونانيين لمن تعتبرهم تركيا ” انقلابيين”، شاركوا في محاولة “الانقلاب الفاشل” على الرئيس التركي رجب طيب اردوغان، والخلاف حول “آيا صوفيا”، عقب اعلان تركيا عزمها تحويلها الى مسجد، كون اليونان تعتبرها ارثا تاريخيا متصلا بالقسنطنطينية، عاصمة الإمبراطورية الرومانية، التي فتحها العثمانيون على يد محمد الفاتح، أضف إلى ذلك النزاع الإقليمي في المنطقة بشكل عام، وليبيا بشكل خاص.
ولم تخلُ علاقات تركيا واليونان من الصدام، إلا أنها ظلت في حدود الصدام غير العسكري، وهو ما يدفع المراقبين الى استبعاد الخيار العسكري، على اعتبار أن الصراع القائم امتداد لفصول مسلسل طويل من الخلافات المتجددة، التي وجدت البلدان صيغة لتخفيف التوتر حولها، بدليل ان وفدا يونانيا يحضر لزيارة انقرة.

وفي الواقع، لم تكن العلاقات بين تركيا واليونان تاريخياً جيدة، وذلك على بسبب الخلافات المتعلقة بقبرص والجزر في بحر إيجة، والتنافس الثقافي والتراثي فاليونان ترتبط بارث الحضارة اليونانية والبيزنطية، بينما تركيا ترجع الى تراث الامبراطورية العثمانية، بالإضافة إلى الحروب الأربعة بينهما، ومؤخراً كان هناك عدة خلافات، منها رفض اليونان تسليم 8 عسكريين أتراك تابعين لتنظيم غولن، كما اعتقلت القوات التركية جنديين يونانيين قالت اليونان إنهما عبرا الحدود بالخطأ، وفي ماي 2018 حدثت مناوشات بحرية تبعتها تصريحات تهديد متبادلة من الجانبين، عبر الحديث عن عزم اليونان إعلان جزيرة كاستيلوريزو، التي تبعد كيلومتراً ونصف عن الساحل التركي، منطقة اقتصادية خالصة لليونان، لاستغلال الغاز الطبيعي الموجود فيها.

ورغم زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى اليونان، في 7 و 8 ديسمبر 2018 ، ووصف الخطوة بداية لحقبة جديدة في العلاقات بين البلدين، تلتها في فيفري 2019 زيارة رئيس الوزراء اليوناني لتركي، إلا أن الخلافات عادت مجددا، مع انضمام اليونان إلى منتدى غاز شرق المتوسط مع مجموعة من الدول الأخرى، واستبعدت تركيا رغم كونها من أهم الدول في هذا المجال.

أضف إلى ذلك مجموعة من الخطوات قامت بها قبرص، مثل عقد اتفاقيات مع شركات طاقة فرنسية وإيطالية وأمريكية، فيما قامت تركيا باتفاقها مع حكومة الوفاق و ترسيم الحدود البحرية، الى جانب خطوات اخرى اعادت العلاقات الى مربعها الاول.. ليظل التوتر قائما بين كل من تركيا واليونان.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.