اجتماع مقالات

وجهة نظر حول ضعف الاحتجاجات في المغرب

وجهة نظر حول ضعف الاحتجاجات في المغرب

بقلم: أ. أيوب برجال
باحث في علم الاجتماع

يعرف المغرب خلال الاونة الأخيرة زخما نضاليا واتساعا كميا وكيفيا للاحتجاجات الشعبية بين مختلف مجالاته سواء كانت حضارية أم قروية أم شبه قروية/حضرية ، وهي تعبر بذلك عن واقع الصراع و ألا تجانس الاجتماعي بين مكونات النسق المجتمعي ، فالاحتجاج كفعل انساني يدل عادة على الرفض وعدم قبول شيئ ما والمطالبة بتغييره ، فهو فعل وسلوك تمردي وانتفاضي أو ثوري ، يتخذ أشكال واليات متعددة ومختلفة( تظاهرة ، وقفة ، شعارات ولافتات …) “يسعى من خلالها المحتجون على الدوام الى فرض تنازلات على السلطة القائمة “(1) والتعبير عن مصلحة معينة ، ترتبط في غالبيتها بالخط الايديولوجي والمطمح السياسي لأصحابها ، فمطالب المحتجين حتى وان كانت في أبسط شروطها نقابية ، فإنها تحمل بين طياتها بعدا سياسيا وخلفية اجتماعية تمنحها مشروعية شعبية.

ان كل متتبع للوضعية الاحتجاجية بالمغرب وتطوراتها التاريخية يسجل لا محالة أن الاحتجاج لم يعد يستهويه البعد السياسي ولم يعد منافسا على الحكم كما كان خلال سنوات الستينيات والسبعينيات وما قبلها ، بل اندمج في حقول أخرى ثقافية وقيمية كانت تشكل الى وقت قريب تابوهات يصب اختراقها بسهولة ، اذا لم نقل أنها كانت حكرا على بعض التنظيمات السياسية التي سادت خلال تلك المرحلة ، “لكن بعد مرحلة التسعينيات اتخذ الاحتجاج أشكالا أقل عنفا وأكثر تنظيما مع ارتفاع سقف المطالب الاجتماعية وتراجع المطالب ذات الرمزية السياسية” (2) .

ربما يعود هذا الامر الى عملية تطويع الأحزاب السياسية وجماعات الضغط المعارضة للمخزن ، وتمييع ونزع بوصلتها الايديولوجية وتدعيم انشقاقاتها ، حتى أصبحت جوفاء من الداخل لا تصلح سوى لتجفيف الأخطاء المخزنية وجدار حماية فعال للمخزن ، وأمام واقع التدجين والاختراق هذا فقد الفرد المغربي الثقة بالأحزاب السياسية من اليمين الى اليسار ، وصنفها ضمن خانة المتلاشيات التي لا يعول عليها ، خصوصا أمام احتدام التناقضات والتوترات بين المواطنين والدولة من جهة أولى وفي ظل مجتمع متعطش للحرية والتعبير عن ارائه ومصالحه الاقتصادية و الاجتماعية من جهة ثانية ، وهو الأمر الذي سيترجم ميدانيا مع انتفاضة 20 فبراير 2011 التي تأثرت بواقع عدم الثقة بين المواطن والأحزاب وغياب اي معارضة صادقة لواقع الاستبداد والفساد بالشارع المغربي ، فحركة 20 فبراير شكلت نقطة تحول اثبتت الى حد ما مدى وعي الشباب ومطمحه نحو التغيير وترسيخ قيم العدل والعمل والعلم واجتثاث كل مظاهر التخلف والخرافة بغية الخروج من عصر الانحطاط والظلام الى عصر الأنوار “(3) .

غير أن هذه الحركة بدأت بالتراجع شيئا فشيئا متأثرة هي الأخرى باستراتيجية المخزن لكبح أي تطور او دينامية من شأنها أن تعيد توزيع أوراق اللعبة وتخلخل مناطق العتمة والظل ، وهي استراتيجية قائمة بشكل اساسي على الترغيب والترهيب أو العنف والرضا وتقديم بعض التنازلات بين الفينة والأخرى لتلميع صورته من خلال قرارات مهدئة للوضع لا تتعدى صلاحيتها بعض السنوات ، ليعود بعدها الشارع الى وضع الاحتقان والسخط الشعبي ، ذلك ما حدث بعد سنة 2014 مع المعركة النضالية التي فجرها الأساتذة المتدربون وشاركت فيها مختلف الفئات الشعبية ، كذاو ما عرفته مختلف الجامعات المغربية من مقاطعات واحتجاجات مستمرة رفضا لكل البنود التي أصدرتها الوزارة الوصية ، ليختتم هذا الزخم النضالي يوم الجمعة 28 أكتوبر 2016 باغتيال الشاب محسن فكري بمطحنة شاحنة نقل النفايات وما رافق ذلك من مسيرات تضامنية مع اسرته بالحسيمة والتي تطورت ونضجت شروها لتصبح انتفاضة عارمة ضد الحكرة والتهميش التنموي . 

ما يمكن ملاحظته هنا هو غياب الدور التأطيري للأحزاب السياسية والجماعات النقابية بمختلف تلاوينها ، مع تسجيل حضور قوي للشباب المتعلم والمنفتح طبعا على عالم السلكون والشبكات العنكبوتية والمواقع الافتراضية التي شكلت الى حد ما عاملا إيجابيا في تأطير المواطنين وتعبئة رأي عام منظم وموحد في مدة قياسية ، ليصبح بذلك المجال الافتراضي له سلطة رمزية لا تقل أهمية عن الوسائط الاعلامية الرسمية للمخزن. اذ لم يعد ( المجال الافتراضي) مقتصرا على الترويج للتفاهة ولثقافة الاستهلاك والبذخ والتبذير في الحياة المعيشية بل أضحى بفعل مجوعة من العوامل منبعا والية للاحتجاج والتنديد و التضامن الشعبي.

——————–

1: العطري عبد الرحيم ، الحركات الاحتجاجية بالمغرب مؤشرات الاحتقان ومقدمات السخط الشعبي ، ص 136 

2: جندري إدريس ، المسألة السياسية في المغرب من سؤال الاصلاح الى سؤال الديمقراطية ، دفاتر وجهة نظر ، 2013 ص108.

3: العطري عبد الرحيم ، السلطوية والربيع والانتقال العسير ، مركز العلوم الاجتماعية ، الرباط ، الطبعة الأولى 2020 ، ص 22.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.