تاريخ مقالات

التمايز في الموت

التمايز في الموت

بقلم: ا.د. علي المرهج

في أيام الحرب العراقية ـ الإيرانية، كانت قوافل الشهداء تترى، وكانت كل عائلة من عوائلنا تتوقع أن هذا الشهيد الملفوف بعلم عراقي (كهل) هو أحد أبنائها، فمن يعرف أن هذا من أفراد عائلته، رغم ما فيه من جرح وألم شديد، يشكر الله ويحمده على أن حثته قد وصلت، وتعرّف عليه أهله، وشارك في تشييعه أبناء عمومته ومنطقته وصحبه ومحبيه.

في المقابل كان هناك من يفقد أحد أبنائه، ولا يعرف مصيره، فيبقى مُعلقاً بين السماء والأرض، وبين الإيمان والكفر، فكل من يصل للحقيقة يؤمن، والموت هو الحقيقة الوحيدة، ولكنك حينما تفقد أحد ذويك ولا تعرف مصيره، فستكون حتماً في منطقة (الشك) التي هي منطقة توتر وتوقف عن اصدار حكم، أو كما يقول نزار قباني، (منطقة وسطى).

هنا يكون التمايز في الموت، والشكر للإله، لأنه العارف الأوحد بما ستؤول إليه الأنفس حين موتها.

أخبركم أن أغلب أهل المفقودين في أرض المعركة هم شهداء مع وقف التنفيذ، ولكنهم لم يستريحوا في قبورهم، كما لم يستيرح أهليهم من حسم أمرهم والحكم عليهم بالشهادة من عدمها أو إمكانية العودة، وهذا مصير من لا مصير له، وحياة من لا حياة له، ووجود من لا وجود له، وموت من لاموت له.

 كل من يأتيه شهيد يتألم أيام وربما سنة أو أكثر، ولكن أهل الفقيد سيبقى القلق رفيقهم وصديقهم اللدود الذي كتب لهم القدر صداقته.

ويا ويلنا من يوم يرحلُ واحدٌ

ويُبكي الذي يُبقيه حد التسول

كما يقول عبدالرزاق عبدالواحد.

تاريخ العراق تاريخ (زمن الموت)، فهو (أرض السواد) ويبدو أن التسمية جاءت من فرط ما فيه من نواح وبكاء ولبس أسود على على فقد حبيب، لا من خصبها كما يدعي المؤرخون.

ليطلب العراقيون من هذا الوطن مطلباً يؤكده قول الشاعر (محمد مهدي البصير) بقوله:

هبَ لي بربك موتة تختارها 

يا موطني أو لست من أبناكا؟.

وكأن الموت حقيقة واقعية في هذا البلد، ولا خلاف على كونه قدر، ولكن يأمل أبناؤه بميتة كريمة.

إنها فكرة (التمايز في الموت) التي صارت في عراقنا حقيقة نتسابق عليها ونختصمُ.

في (زمن الكورونا) صرنا نحلم بميتة يختارها الله لنا أفضل من الموت في (وباء الكورونا)، فصار أغلب من يموت لهم شخص أو فرد من عائلتهم بهذا المرض الذي قدره الله لهم أن ينفون القول بموته بمثل هكذا مرض.

الحقيقة الوحيدة هي أننا نموت، ولكن للموت سبلاً يختارها القدر والذات الإلهية، ولكن أن نستحي من ميتة ونُفضل أخرى فتلك من محن القدر!.

(اليشوف الموت، يرضه بالصخونه)!، وهذا مثل عراقي ينطبق علينا اليوم ونحن نعي في (زمن الكورونا)، لنجد الكثير من أهلينا يكرون الله على أن من مات من ذويهم قد مات ميتة عادية، وليس بسبب الكورونا.

ذكرني هذا بفيلم (احنا بتوع الأوتوبيس)، هذا الفيلم الذي يتحدث عن ظلم الأنظمة (الديكتاتورية)، فهو فيلم يروي قصة أفراد تم القبض عليهم بمخالفة مرورية ليشاء القدر أن يُزجون مع جماعات معارضة للنظام السياسي، فيصرخون أنهم (بتوع الأتوبيس) ولا أحد يسمعهم، وملخص الفيلم أنهم (يروحون بالرجلين) ولا ينفعهم صراخهم.

وذكرني هذا بنكتة مُجددة، حينما تم القبض على سيدة تُمارس (القوادة)، وبعد القبض عليها اجتمع أبناء المنطقة، فصرخت في وجوههم (لا تخافون كواده مو كورونا)!!.

ذكرت هذه الحكاية كثيراً عن صديق طارت به طائرة من ألمانيا إلى كندا، فأخبرني أنه حينما طارت الطائرة (الإيرباص) التي تحمل ما يقرب على الخمسمائة شخص، فنظر للأعلى والأسفل، فلم يجد غير السماء والماء، فاسترجع تاريخ علاقته غير المنسجمة مع الله، فقال له (يا الله أنت كبير وآني أعرف أنك الرحمن الرحيم)، (عوف هاي السالفة (ربي) وعبرنه بسلامة، ولا تحط عقلك بعقلي).

المهم مرت الرحلة بسلام وعاد صاحبي لحياته لأنه وثق بأن الله لا يُحاسب العبد على تفاصيل حياته الخصية، إنما الله رحمن ورحمة وأليق صفة به هي الرحيم.

لأعود لعنوان مقالي (التمايز في الموت)، لأجد في (زمن الكورونا) من يدعو الله أن يموت ميتة عادية ويتأكد الآخرون أنه فعلاً مات ميتة عادية.

وجدت في منطقتي عائلة مات مُعيلها بسبب اصابته بمرضض الكورونا، فلم يحضر لهم أحد من جيرانهم أو من ذويهم، فصاروا منبوذين في المنطقة، والكريم فيها، يأتي بما لديه من مساعدات يرميها في الباب ويهرب، ليعود فيُعقم نفسه قبل الدخول للبيت.

أليست هذه مصيبة كبرى على من فقد أحد أحبته في (زمن الكورونا) وعلى من يبتغي مساعدة هؤلاء المفجوعين.

لأعود لعنوان المقال، فأقول أن (التمايز في الموت) يُعدّ مكسباً في زمن لا قدرة لنا على التباهي في (الكرم) و (الايثار) لأناس يستحقونهما.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.