سياسة مقالات موسوعة روافد بوست

وثيقة بلفور (ج2): الأسباب التي قادت إلى إصدار الوثيقة والدروس المستفادة

الأسباب التي قادت إلى إصدار الوثيقة والدروس المستفادة

خاص – روافد بوست

ثمَة أسباب مختلفة أسهمت في إجبار بريطانيا على إصدار وعد جلال الملك أو وثيقة بلفور القاضية بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، وقبل استعراض هذه الأسباب يجب التأكيد على أن الوثيقة تحمل اعترافاَ ضمنيناً في فلسطين، حيث أكَّدت أن إقامة الوطن القومي ستقوم في فلسطين.

أمَّا الأسباب الواقفة خلف إصدار وثيقة بلفور فهي على النحو التالي:

أولاً: شارك عدة آلاف من اليهود في الحرب العالمية الأولى بجانب الجيش البريطاني كجنود وضباط، واكتسبوا خبرات حربية كبيرة ظهرت في الفترات اللاحقة وخاصة في حرب 1948م، فأرادت بريطانيا تكريمهم بمنحهم وطناً لهم.

المشاركون في الحرب العالمية الأولى من اليهود شكلوا الهاغاناة والتجمعات العسكرية الأخرى التي نفذت عشرات المجازر بحق الفلسطينيين، وهم أيضاً من هزموا الكتائب العربية في حرب 1+48م.

الدرس المستفاد: لا إقامة لدولة فلسطينية بدون العمل العسكري، ولو رجعنا للتاريخ سنجد أن العمل العسكري أحد أهم عوامل تحرير فلسطين في عهد عمر بن الخطاب أو حتى صلاح الدين الأيوبي. ويجب أن تضع التجمعات العسكرية الفلسطينية هدف إقامة الدولة نصب أعينهم، بحيث تتكامل جهودهم بشكل يسهم في تحويلهم إلى جيش الدولة بعد التحرير.

وكانت جامعة التخنيون منبراً للعلم والمعرفة، وهي من أولى المؤسسات التي أنشأها اليهود في فلسطين.

ثانياً: أرادت بريطانيا تكريم البروفيسور حاييم وايزمان، وهو بروفيسور في الكيمياء، اخترع مادة الاستون التي ساعدت على زيادة شدة انفجار القنابل، استخدمتها بريطانيا في الحرب، فكان لها دور كبير في انتصار بريطانيا.

الدرس المستفاد: ما سبق يكشف عن دور العلم في إقامة الدولة الفلسطينية، ولو عدنا لأسباب كثير من الأزمات في النظام السياسي الفلسطيني سنجد حتماً أن ضيقي الأفق هم المتسببون فيها، ولاحظنا كيف أنَّ تغييب العلماء عن مفاوضات أوسلو قد جعل الاتفاق يشكل انتكاسة بحق الشعب الفلسطيني لا تقل خطوة عن وثيقة بلفور.

ثالثاً: إذا تكلمنا عن الهمينة الغربية، يجب التأكيد على أن وعد بلفور حصل على موافقة أمريكا يوم 17 أكتوبر 1917م، أي قبل الإعلان عنه بأسبوعين، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى؛ حاولت فرنسا إقامة وطن قومي لليهود، وحاولت ألمانيا كذلك، وروسيا كذلك، ولفيف من الدول الغربية، وهذا ما يكشف عن السعي الغربي الحثيث لإقامة دولة إسرائيل.

رابعاً: كان الغرب يسعى لإنشاء دولة يهودية على أرض فلسطين كقاعدة متقدمة للهيمنة الأوروبية المستديمة على قلب منطقة الشرق الأوسط، وعلى مقربة من خزان ومنابع الطاقة، لذلك تعتبر أمريكا اليوم أن حفاظها على تدفق النفط العربي للعالم ولها هو أحد أركان الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط.

لقد طلب أرئيل شارون من جورج بوش الابن 10 مليار دولار سنوياً لدعم الميزانية الإسرائيلية، لماذا 10 مليار؟ فردَّ عليه شارون: أقل قاعدة عسكرية تكلفك 10 مليار دولار سنوياً، وأنا أكبر قاعدة عسكرية لأمريكا في الشرق الأوسط.

الدرس المستفاد: يتكلم عن الجوانب الاقتصادية وعن أهمية الموارد الاقتصادية في بناء الدولة. عندما جاءت السلطة الفلسطينية إلى غزة –أريحا؛ كانت متساهلة لأبعد الحدود مع إسرائيل فيما يتعلق بالموارد، وأقامت إسرائيل موانع على طول الشريح الحدودي من أجل منع تدفق المياه من المرتفعات من جبال الخليل إلى غزة، في الضفة الغربية تسرق إسرائيل 600 مليون متر مكعب من المياه سنوياً، وهو ما يساوي 600 مليون دولار. وعندما وقَّعت السلطة اتفاقية باريس الاقتصادية مع إسرائيل؛ وافقت على عدم تصدير المنتوجات الزراعية البسيطة، وهذه انتكاسة كبيرة، ماذا يزرع المزارع الفلسطيني سوى البندورة والبطاطا والباذنجان والخيار؟

خامساً: أراد الغرب تقسيم الوطن العربي حتى لا تقوم لهم قائمة، من خلال زرع كياني مختلف في منطقة متجانسة.

الدرس المستفاد: لا يمكن للغرب أن يعيش في ظل الوحدة الوطنية العربية، والأمر يُقاس على المشهد الفلسطيني، لا يمكن لإسرائيل أن تعيش في ظل الوحدة الوطنية الفلسطينية، ولذلك، نجد أن إسرائيل سبباً في الانقسام الجغرافي قبل السياسي، رفضت إقامة ممر آمن أو نفق يربط الضفة بغزة. لذلك، علينا أن نذهب إلى إنهاء الانقسام حتى نقوى على أعدائنا.

سادساً: حصل اليهود على الوعد أو الترخيص من بريطانيا وبموافقة الولايات المتحدة بعد 20 سنة كاملة من العمل الدبلوماسي والاتصال بالحكومات الغربية.

الدرس المستفاد: أهمية العمل الدبلوماسي الفلسطيني كبيرة جداً، والدبلوماسية لها ما لها من دور عظيم في التحرير وإقامة الدولة، لكن المشهد مختلف تماماً في الحالة الفلسطينية، لدينا أكثر من 100 ممثلية حول العالم، ولكن إنتاجيتها الدبلوماسية تكاد تقترب من الصفر، وهو ما يعني أننا بحاجة إلى نقض ونفض الجهاز الدبلوماسي الفلسطيني ورفده بالكفاءات والمتميزين.

سابعاً: صحيح أن وعد بلفور ذكر مسألة النظر إلى اليهود بعين العطف، ولكنه كان موجها إلى روتشيلد، وهو واحد من أغنى أغنياء العالم، وما زالت عائلة روتشيلد إحدى العائلات التي تمتلك ثروة مالية كبيرة.

الدرس المستفاد: واضحٌ أن إقامة وبناء الدولة جاء بمساهمة رجال المال والأعمال اليهود، وهذا يشير إلى عامل التضحية والالتزام من جانب اليهود، واليهودي في أنحاء العالم يدفعون اشتراكات شهرية لدولة إسرائيل، فما البال لو كان الحال كذلك بالنسبة لأمة عربية قوامها أكثر من 400 مليون نسمة، أو أمة إسلامية وتسمى بأمة المليار ونصف؟! المال عصب الحياة، والجيوش على بطونها تسير كما يُقال في العرف العسكري.

ختاماً؛

الشعب الفلسطيني شعب صامد وصابر وعصي على الانكسار، وهو شعب مميز في تقديم التضحيات، لكن في نفس الوقت شعب لا يتمكن من جني ثمار ما حصد على الوجه المطلوب، وهذا يحتم عليه أولا التوحد في وجه المشاريع الغربية أو الصهيوني التي تحاول إنهاء القضية الفلسطينية.

ثانيا: الطلب من بريطانيا الاعتذار للشعب الفلسطيني عن هذا الوعد. والاعتذار لا يعني قول: انا آسف، بل هو مجموعة من الإجراءات القانونية والسياسية ….

وثالثاً: يجب أن ندرك أن تحرير فلسطين يحتاج إلى العمل في ثلاثة اتجاهات رئيسية، 1- البناء المعرفي وما يتضمنه من ثقافة وعلوم وتربية وبحث علمي. 2- البناء السياسي وما يتضمنه من تشكيل النظام السياسي ومؤسسات الدولة وإعادة رسم السياسات الداخلية والخارجية، 3- البناء العسكري وما يتضمنه من بناء جيش له عقيدة عسكرية وعقيدة قتالية وعقيدة أمنية.

ورابعاً: يجب أن ندرك أن تحرير فلسطين وتجاوز مرحلة وثيقة بلفور يستوجب تضافر الجهود كلها، فيجب على كل فلسطيني أن يعتبر نفسه على ثغر من ثغور الوطن، نعم للمقاومة المسلحة، نعم للمقاومة السلمية، نعم للعمل الدبلوماسي، نعم للعمل الأهلي، نعم للاقتصاد والمال والسياسية والتربية والتعليم.

اقرأ أيضا:

وثيقة بلفور (ج1): بلطجة بريطانية صريحة

وثيقة بلفور (ج2): الأسباب التي قادت إلى إصدار الوثيقة والدروس المستفادة

بلفور وتصدير مشكلة اليهود إلى المنطقة العربية

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.